المقالات

(الميديا) بين شبح الخوف من سلبياتها وبين الاندفاع نحو جاذبيتها


محجوب مدني محجوب

محاربة (الميديا) أو ما يعرف بوسائل التواصل الاجتماعي من واتس وفيس بوك وتويتر وسناب شات وانستغرام وغيرها من التطبيقات ممن له علاقة بهذا العالم لا ينبغي أن يتعامل معه بحساسية من أولئك الذين يهتمون بأمن وسلامة وأخلاق المجتمعات وذلك لسببين:

الأول: هذه المعاداة والهجوم لن يفضي إلى شيء، فهو أشبه بقول الشاعر:

يا ناطح الجبل العلي ليكلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل.

فتطور التكنولوجيا وسحر جاذبيتها سمة من سمات هذا العصر لا يمكن أن تعزل من الناس وخصوصا الشباب.

الثاني: هناك إيجابيات عظيمة لهذه (الميديا) خصوصا لنا نحن السودانيون ينبغي التركيز على هذه الإيجابيات وترك السلبيات وتجاهلها، فعادة المواد ضعيفة المستوى والقيمة لن تصمد طويلا أمام المواد التي تحمل هدفا ورسالة.

إيجابيات (الميديا) بالنسبة لنا نحن السودانيين لا حصر لها منها:

* طبيعة الإنسان السوداني ضعيفة جدا إزاء الظهور والإعلام إذ أننا تربينا على ذلك، فالحديث للناس والبوح بما نحمل من هموم وقضايا تكاد تكون معدومة، ف(الميديا) وما تتمتع به من إمكانيات على التواصل سوف تساهم بقدر كبير في معالجة هذه العقدة لدينا، فالغموض وعدم التعبير عن المواقف ليست بالظاهرة الصحية كما أن كتم المشاعر وعدم مناقشة المواضيع سواء المفرحة أو المزعجة ليس بالشيء المفيد للنفس.

أغلب العقد النفسية سببها هو عدم التعبير عما تحمله النفس من انطباع سواء سلبي أو إيجابي، فالاحتفاظ بهذه الانطباعات بدواخلنا، وعدم البوح بها كلفنا كثيرا.

كلفنا عدم اختيار مجالات دراستنا وعملنا بشكل يتناسب مع ميولنا وقدراتنا.

كلفنا عدم اختيار علاقاتنا بشكل دقيق، فأغلبها تتم عبر ظرف معين، فبعضها تستمر بمشقة، وبعضها الآخر يجعلها تقف وتعجز عن الاستمرار، فالحديث والدردشات وعدم التوجس من نشر الحالات(story) بل حتى بعضنا يتحسس من نشر صورته ك(بروفايل) على حسابه.

كذلك كلفنا عدم إظهار مبدعينا في كل المجالات، فالسوداني ليس فقط لا يظهر إبداعه بل يكاد يموت به ولا أحد يعرفه،  فعندنا إظهار المميزات والإبداعات عيب إذ نعتبرها كأنها تمييز عن الآخرين أو كأنها مدح وتفاخر لأنفسنا.

كل هذه العقد الاجتماعية التي كانت بسبب الطريقة التي تربينا بها، والتي تعتمد على افعل كذا ولا تفعل كذا، وفلان أكبر منك وفلان عمك أو خالك كل هذه القيم تكسرت لدى أبنائنا وبناتنا اليوم ووجدوا ضالتهم في وسائل  (الميديا) وتطورها، فطبيعي جدا أن تجدهم يتواصلون عبر الواتس مع أصحابهم وزملائهم، وهم جلوس بيننا، وهذا النفور ممن هو قريب والانجذاب لمن هو بعيد رغم أننا آباؤهم أو أمهاتهم أو إخوانهم هو بسبب الظروف والإمكانيات الاجتماعية التي تربينا عليها، والتي تختلف كل الاختلاف عن الظروف التي توفرت لهم.

* هذا على الصعيد الاجتماعي والأسري كذلك على الصعيد السياسي يمكن كذلك أن تلعب (الميديا) كما شاهدناها فعلا لعبت دورا أساسيا في توعية الناس، وفي كشف من يريد أن يخمهم ويستخدمهم كجسر ومعبر يحقق به أهدافه ومصالحه بل خدمت أكثر من ذلك، فهي كشفت بوضوح من يحمل لواء الوطن وهو خائن خسيس، ومن ينادي بالمحافظة على موارد البلد وهو من يسرقها ويبيعها في سوق النخاسة، فلولا (الميديا) وأساليبها لما انكشف كل هؤلاء المتورطين في سلب وضياع الوطن.

قطعا توجد سلبيات وإشاعات إزاء التعامل مع (الميديا) لكن فضلا عن كوننا لا نستطيع أن نزيلها، فهي سوف تنكشف وتفضح نفسها عن طريق (الميديا) نفسها، فكم من شخصيات بل ودول كنا نحسبها أنها ذات ثقل ووزن فجاءت (الميديا) وعرتهم وكشفتهم على حقيقتهم.

جملة القول فإن (الميديا) حقيقة ماثلة أمامنا استحالة أن نوقف انتشارها وقوتها وقوة تأثيرها في المجتمع، فبدلا من أن نضيع وقتنا في الهجوم عليها دعونا نعدد ونركز على إيجابياتها، فنضرب بذلك عصفورين بحجر واحد:

نستفيد من الإيجابيات من جهة، ونتفاعل مع ما هو جديد وحديث ومتقدم من جهة أخرى.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى