المقالات

المبادرة لم تلامس لُب المشكلة. و هل المائدة ستكون حوار وثبة ثالث؟


السفير الصادق المقلي

مع كامل الاحترام للشيخ الوقور المتبتل في محراب الصوفية و تقابة القرآن.. نعم المبادرة المبادرة تنطلق من حسن النوايا و مشاعر طيبة استشعر فيها الشيخ المخاطر التي تحدق بالوطن و تهدد امنه و سلامته و نسيجه الاجتماعي و أمنه القومي.. و تناشد اهل السودان أن هلموا إلى كلمة سواء لإخراج هذا الوطن من عنق الزجاجة….. كلام طيب يعبر عن هدف نبيل…
الا ان المبادرة لن تضع خارطة طريق..يؤدى إلى تحقيق هذا الهدف.. . غير الدعوة إلى عقد مؤتمر أسمته بمؤتمر نداء أهل السودان..و مائدة مستديرة تفضى الى تشكيل حكومة كفاءات مستقلة.. و كأنى بالشيخ يضع العربة أمام الحصان… فهو فى اعتقادى لم يلمس لب الأزمة.. و لم يحدد أطراف الأزمة.. و قد ردد الشيخ الوقور نفس تصريحات البرهان الذى ظل يعزف على وتيرة ( التوافق السياسي لتكوين حكومة غير حزبية وصولا إلى انتخابات حرة و نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية منذ أكثر من تسعة أشهر )
فقد طفق الشيخ يخاطب فى مبادرته القوى السياسية.. و لم نجد فيها اى رسالة فى بريد المكون العسكري.. و لم يقف عند انسحاب الأخير من الحوار.. مما يوحى بأنه يبث حديثه على نفس موجة العسكر..كأنما ان الازمة هى من صنع القوى السياسية و ان العسكر ليسوا طرفا فيها… بالرغم من أن المكون العسكري هو الطرف الرئيس فى هذه الازمة السياسية… و قد كان فاعلا اساسيا فى العملية التفاوضية و حوار الالية الثلاثية و مستقبلا لكافة المبعوثين الدوليين و الإقليميبن الذين كانوا يتقاطرون على العاصمة فى سبيل تسهيل حوار مع مختلف فرقاء الأزمة بمن فيهم المكون العسكري الذى يستولى على السلطة فى البلاد منذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي بعد أن أطاح عسكريا بحكومة الفترة الانتقالية برئاسة د حمدوك..
نعم لم نجد اى رسالة فى المبادرة فى بريد المكون العسكري غير الدعوة المتكررة لدعم القوات المسلحة و هذه دعوة لأمر اصلا لم يكن موضع خلاف فى المشهد السياسي..
من اهم الملاحظات و التى ربما كانت سببا هاما في عدم حصول هذه المبادرة على اجماع وطني….. اجماع وطنى يررده مؤيدوها دون أن يستفتوا احدا عليها……! ان هذه المبادرة اولا فيها قدح مبطن و اتهام لكل من يؤيد المبادرة الاممية و حوار الالية الثلاثية.. الذى تجاهلته المبادرة تماما..و أن فى هذه المبادرة الاممية تدخلا في الشؤون الداخلية للسودان و تدعو ضمنيا إلى تجاوزها و ان يكن الحوار سودانيا سودانيا.. و لعل تهمة المبادرة الاممية بالتدخل في الشان الداخلى مردودة الى من يطلقها و الكل يعرف ان الآلية الثلاثية مجرد مسهل للحوار الوطني و لا تحمل فى جعبتها اي املاءات او مبادرة خارجية…..
ثالثاً.. لم نجد فى مبادرة اهل السودان اى إشارة من قريب أو من بعيد للحراك الثورى و لا اى مخاطبة للشباب و لا الى مطالبهم و هم ينتظمون فى احتجاجات لأكثر من تسعة أشهر راح ضحيتها العشرات و اصيب الآلاف… لم ترد فى مبادرة اهل السودان اى اشارة للثورة أو الثوار من رجال المقاومة وهم الفاعل الرئيس فى المشهد السياسي و ليست القوى السياسية المتشظية التى تخاطبها المبادرة. كما خلت تماما من الإشارة إلى طلب القوى السياسية و الثورية و المدنية الخاص باستعادة مسار التحول الديمقراطي.. . بل إن الشيخ.. مع كامل إحترامنا له و لسجادة و تقابة ام ضوا بأن… وجه ترحمه و عزاءه لما أسماهم بضحايا النزاع.. و نادى بوقف نزيف الدم هذا ما يحمد له.. إلا أنه لم يشر الى شهداء الحراك الثوري. و لعله يدرك أن ليس فى الخرطوم نزاع قبلى و انما مواجهة بين شباب عزل فى تظاهرات سلمية ميزت هذا الحراك منذ الثالث عشر من سبتمبر و حتى التاسع عشر من ديسمبر و انتهاء بالخامس و العشرين من اكتوبر… و لا اعتقد ان الشيخ لا يحسب هذه الشريحة الهامة من الشعب السوداني ضمن ما أسماهم أهل السودان.. و لعل القاصى و الدانى داخل و خارج السودان على قناعة تامة أن اى جهد فى سبيل توافق اهل السودان يتجاوز القوى الثورية.. القوى الحقيقية الفاعلة اليوم على مسرح المشهد السياسية.. سوف لن يكتب له النجاح..و ان اى حكومة تتجاوز هذه القوى الثورية. لن تحظى باعتراف المجتمع الدولي و هذا ما ورد فى تصريحات و بيانات الترويكا و أصدقاء السودان.. و الكنغرس الأمريكي..
مبادرة اهل السودان دعت الى التوافق الوطني لحل الأزمة.. لكنها لم تحدد أطراف هذه الازمة و هو العامل الرئيس فى اى عملية حوارية تمهد بالضرورة الى نجاح المائدة المستديرة التى نادى بها الشيخ الطيب الجد.. متعه الله بموفور الصحة والعافية.. فهو صور الأزمة و كأنها ازمة من صنع القوى المدنية.. حيث غيب تماما الطرف الرئيس فى الأزمة، المكون العسكري و الذى هو الشريك الأول في صنعها منذ ان استولى على السلطة فى الخامس و العشرين من اكتوبر الماضى اثر حركة أسماها تصحيحية.. و لكنه.. و مما يحمد للمكون العسكري انه اعترف بفشلها و ما أحدثته من حالة ازدادت سوءاً عما كانت عليه قبل الانقلاب.. .. وفق ما جاء على لسان الجنرال حميدتي..
و من البديهى فى حالة حدوث ازمة سياسية فى اى بلد في العالم.. الحوار والتوافق يتم بين الحكومة والمعارضة… فإلى اى حوار أو توافق او مائدة مستديرة تدعو لها مبادرة اهل السودان فى وقت انسحب فيه الطرف الرئيس فى الأزمة من الحوار ؟؟؟ فالسؤال.. من من بعد ذلك يحاور من؟و لا اعتقد انه في ظل هذا التشظى و التشاكس بين مختلف القوى الثورية و المدنية. و فى غياب المكون العسكري من الحوار.. يكتب لهذه المبادرة النجاح و ان مصيرها لن يختلف عن سابقاتها..
كان من الأجدى أن تنادي مبادرة اهل السودان بضرورة تفاعل المكون العسكري باعتباره طرفا في الازمة مع العملية الحوارية و التفاوضية.. و كان من المفيد أن تناشد هذه المبادرة السلطات بضرورة تهيئة الأجواء للحوار و اتخاذ خطوات تصب فى هذا الاتجاه.. خاصة وقف استعمال العنف المفرط ضد المحتجين و إطلاق سراح المعتقلين و الكف عن اى اعتقالات آخرى. و ان لا تكتفى فقط كما فعلت باستصحاب خطاب البرهان.. دون أن تطالبه أن يفعل ما يليه كطرف في الأزمة.. و أيضا
ان تأخذ في الاعتبار تداعيات هذا الحراك الثوري فى المشهد السياسي فهى قد حاولت أن تصور الازمة و كأنها من صنع المكون المدنى… و لا شك أن انسحاب العسكر من الحوار قد أحدث المزيد من الربكة و قذف بالبلاد نحو المجهول.. ولكن ما يجعل أن هناك بصيصا من الضوء في اخر النفق.. ان المكون العسكري قد اعترف بفشل إجراءات و ترتيبات 25 أكتوبر و ان قيادته قد أصدرت مؤخرا تصريحات تشير الى دعم الحوار فى اطار الآلية الثلاثية.. و ان لا نية لها في تشكيل حكومة تصريف أعمال بصورة آحادية.. و قد اتضح ذلك إثر تصريحات حميدتي في برنامج مؤتمر إذاعى و تصريحات البرهان إثر لقائه بسفيرة فرنسا في الخرطوم و تسلمه رسالة من الرئيس الفرنسى ماكرون… و ما أعقب ذلك من بيان لمجموعة الترويكا..
نعم المبادرة فى حد ذاتها تصب كغيرها من المبادرات الرامية الى حل الأزمة لكنها كما سلف القول لم تخاطب لب الأزمةو تجاهلت مخاطبة المكون العسكري الحاكم و عزفت فقط على نفس وتيرة قيادته التى ظلت تنادي بالتوافق و الحوار الوطني دون أن توفر المناخ المناسب لانجاح هذا الحوار.. و هذا ما افتقرت إليه مبادرة الشيخ العارف بالله.. الطيب الجد… أطال الله عمره .. كما افتقرت الى تحديد اطراف الازمة…كعامل أساسى لإنطلاق الحوار أو المائدة المستديرة كما وردت في المبادرة…
و ليس من المستبعد أن تكن هذه المائدة المستديرة المقترحة كوبى بيست من حوار الوثبة و اجتماع روتانا الذى ولد ميتا… سيما و ان ا لكثير من الكيانات السياسية الفاعلة في المشهد السياسي اما تحفظت عليها أو رفضتها.. و أهمها لجان المقاومة و الحزب الشيوعي و الحرية والتغيير المجلس المركزي و الحرية و التغيير الميثاق الوطني و الجبهة الثورية و تجمع المهنيين و بعض الطرق الصوفية و على راسها اهمها الطريقة القادرية العركية.. فضلا عن أنها كما ذكرنا لم تشير إلى تداعيات الحوار الثورى و تضحيات الشباب و خلت تماما من اى إشارة للثوار و ثورة ديسمبر و شهداء العنف المفرط.. و مخاطبة المكون العسكري باعتباره الطرف الرئيس فى الأزمة الراهنة منذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.. و لا الى ما يليه من مطلوبات و التزامات تهيئ المناخ المناسب لانجاح التوافق الوطني.. بل وجهت خطابها فقط إلى المكون المدني.. و قد وجه راعى المبادرة كلمات غير لائقة في حق الرافضين لمبادرته من شأنها أن تفرق و لا تجمع أهل السودان.. و تقوض الهدف الرئيس للمبادرة.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف المبادرة لم تلامس لُب المشكلة. و هل المائدة ستكون حوار وثبة ثالث؟





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى