أخبار السودان

الفريق أول ركن حسن يحيى محمد أحمد؛ المفتش العام الأسبق للقوات المسلحة؛ يكتب : توقيع الاتفاق الإطاري لا يعني تسليم السلطة للمدنيين!!


الإدارة الأمريكية وصفت السودان تحت ظل حكم الإنقاذ باستقلال قراره السياسي بأنه قد أصبح يهدد أمنها القومي وأعلنت صراحة بأنها سوف لا تسمح له بالاحتفاظ بأراضيه الشاسعة واستغلال ثرواته وموارده الضخمة ومن هنا جاءت اتفاقية نيفاشا الكارثة التي تمثل المرحلة الأولى لتقسيم السودان وما زالت بقية المراحل الأخرى تجري على نار هادئة.

إسرائيل هي الأخرى بنت استراتيجيتها ضد السودان على أن يكون مشغولاً بنفسه دوماً حتى لا يقف على رجليه ليدعم قضايا أمته العربية والإسلامية.

هكذا أصبح السودان يقع بين فكي الأسد.. اتفاقية نيفاشا وضعها مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي بواشنطن لمعالجة قضية جنوب السودان. شكل المركز لجنة رباعية من اليهود العاملين به وضم لهم الدكتور فرانسيس دينق ابن السلطان دينق مجوك زعيم قبيلة دينكا نقوك. خرجت هذه اللجنة بتوصية وحيدة وهي (إنشاء دولة موحدة بنظامين وجيشين) وهذا هو مضمون اتفاقية نيفاشا.

الآلية الرباعية جاءت بعد فشل الآلية الثلاثية في تنفيذ المخطط الدولي الداينميكي الساعي لتقسيم السودان.. مشروع السودان الجديد هو مشروع صهيوني تبناه قرنق ليحقق به هدفه الاستراتيجي غير المعلن وهو انفصال الجنوب..ياسر عرمان أصبح بوقاً يبشر بمشروع السودان الجديد ولعب دوراً كبيراً في انفصال الجنوب.

عرمان صرح لجريدة القارديان البريطانية بأن حرب الجنوب الجديد ستنطلق شرارتها بعد انفصال الجنوب مباشرة في الجنوب الجديد في دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وهذا ما حدث بالضبط ولا يعني ذلك أن عرمان خبير عسكري أو مفكر استراتيجي ولكنه يعني أنه وكيل للقوى الخارجية التي تستهدف السودان وهو ملم بكل تفاصيل مشروع السودان الجديد الخاص بتقسيم السودان لأنه كان يمثل آلية من آليات تنفيذ هذا المشروع.

السفير الأمريكي الذي ترأس الآلية الرباعية ملم بدور عرمان في تنفيذ مشروع السودان الجديد ولهذا كلفه بأن يلعب ذات الدور الذي لعبه في انفصال الجنوب.. عرمان هو الوكيل للقوى الخارجية وتقاربه مع قوات الدعم السريع قاد حميدتي لدعم التسوية التي تفرضها الرباعية على الشريكين فهي تسوية أحادية وليست ثنائية أو شاملة فهي تسوية خاصة بالمجلس المركزي لأن المكون العسكري قد نأى بنفسه عن ممارسة العمل السياسي.

التسوية المتوقعة تشبه تماماً النهج الذي اتبع في اتفاقية نيفاشا لأن كلا الاتفاقيتين صممتهما أمريكا لتنفيذ تقسيم السودان..التسوية المتوقعة تسعى لإنشاء دولة علمانية بجيشين وأكد ذلك توقيع البرهان وتوقيع حميدتي ومخاطبتهما لمراسم توقيع الاتفاق الإطاري وهذا مخالف للبرتوكولات الرسمية حيث أنه لا يمكن أن يتحدث الرئيس ونائبه في موضوع واحد، وحديث النائب جاء مخالف لحديث رئيسه وفيه استهداف للجيش ويبدو أن من صاغ هذا الخطاب هو عرمان لأنه عدو للجيش.. هذا التوقيع يعني أن إعادة هيكلة الجيش لم تعد من الملفات العالقة.. كذلك التسوية تضمنت الحصانة كما جاء في المادة الرابعة منها وهذا يعني أن العدالة الانتقالية لم تعد من الملفات العالقة أيضاً. أما مراجعة اتفاقية السلام فإنها تعني إلغاء الاتفاقية وعودة الحركات للحرب مرة أخرى بعد اندماجها في الحياة السياسية وهذا يعني أن اتفاقية جوبا لم تعد من الملفات العالقة.

أما تفكيك النظام السابق فإن قحت قد أصبحت تتحدث عن أنها قد أسقطت إجراءات 25 أكتوبر وهذا يعني أن الوضع قد عاد إلى ما قبل تلك الإجراءات ويؤكد ذلك عودة لقمان الذي قدم برنامج الاحتفال بالإضافة إلى تجميد قرار المحكمة العليا الخاص بعودة النقابات والاتحادات المنتخبة هذا بالإضافة إلى إطلاق سراح المعتقلين سياسياً وإطلاق سراح وجدي صالح المعتقل جنائياً وإطلاق سراح لجنة تفكيك النظام السابق ومراجعة الإجراءات التي تمت بعد 25 أكتوبر.

كل هذا يعني أن التسوية قد بدأ تنفيذها قبل التوقيع عليها وأن كل الملفات العالقة التي كانت تمثل قنابل موقوتة قد تقود للفشل لأن الشيطان يكمن في التفاصيل قد تم تجاوزها كما أشرنا لذلك سابقاً وهذا يعني أنه لا توجد أي ملفات عالقة.

الكيانات التي وقعت على الإعلان الدستوري والاتفاق الإطاري قادها ضعفها للتوقيع لتتقوى بقحت التي تتقوى بالقوى بالخارجية. من هذه الكيانات حزب ما زال يتخلق ويتلمس طريقه في مجال السياسة ولا كسب سياسي له في العمل الوطني وحزب آخر طائفي شاخ وأكل الدهر عليه وشرب ومزقته خلافاته وصراعاته وفقد مناطق نفوذه التقليدية السابقة التي ذهبت للحركات المسلحة ومن قام بالتوقيع منه على الاتفاق الإطاري يمثلون أسرة واحدة. أما بقية الموقعين الآخرين فهم عبارة عن أفراد جمدت نشاطهم الحزبي وفصلتهم أحزابهم السابقة وهم لا يمثلون إلا أنفسهم. وكل هذا يعني أن من وقع على الاتفاق الإطاري لا وزن سياسي لهم.

أما الحركات التي وقعت على الاتفاق فإنها تعاني من خلافات وصراعات في صفوفها ولا وزن لها على الأرض. أما الكيانات التي ترفض التسوية فيزيد عددها عن (77) كياناً سياسياً واجتماعياً. هذا بالإضافة إلى رفض الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي وتجمع المهنيين ولجان المقاومة كما إن هنالك بعض الذين وقعوا على الاتفاق تراجعوا عن توقيعهم.

الكيانات التي رفضت التوقيع لها أسباب قوية ومنطقية لأن التسوية خارجية تنتهك السيادة الوطنية وتعيد قحت للسلطة ليتم تنفيذ تقسيم السودان بواسطة أبنائه.. التسوية تؤسس لديكتاتورية مدنية مستبدة وحكم مركزي قابض.. التسوية تجري بين مكونين لا شرعية لهما فقدا شرعيتهما الأولى التي كفلتها لهما الوثيقة الدستورية المعيبة بعد أن انفض عنهما من دعموا التغيير خلال تلك الفترة.. التسوية تحقق مطالب القوى الخارجية في تقسيم السودان. التسوية تجعل السودان مسرحاً للتدخلات الإقليمية والدولية..التسوية نادت بإصلاح الجيش والأجهزة الأمنية وبقية مؤسسات الدولة الأخرى وتجاهلت إصلاح الأحزاب السياسية وهي الأحق بالإصلاح.

قحت نجحت في التسويق للتسوية وفرضتها كأمر واقع بضغوط خارجية. نسبة نجاح قحت 100% وليس 85% لأن إبعاد البرهان وحميدتي ومحاكمتهما سيتم بكل سهولة ويسر بعد نجاح المخطط الدولي.

التفاوض والحوار أساس الحكم المدني وقحت ترفض الحوار والتفاوض ولا يمكن وصفها بالمدنية.. قحت خلال فترة حكمها مارست أعمالاً غير ديمقراطية مثل العنف والقمع والإقصاء والاستبداد والغطرسة.. معظم أنظمة الحكم الدكتاتورية المعاصرة في العالم اليوم مدنية وليست عسكرية بالرغم من أن الدكتاتورية سواء كانت عسكرية أو مدنية قد انتهى عهدها.

قحت تنكبت الطريق السياسي الصحيح برفضها التفاوض والحوار مع خصومها السياسيين وقبولها بالحوار مع العسكريين الذين أسقطوا لها النظام السابق وبذا تكون قحت قد شرعنت للعسكريين ممارستهم للعمل السياسي واليوم أصبحت تنادي بإقصائهم من المشهد السياسي فهل هنالك برغماتية وانتهازية سياسية أكثر من ذلك؟!! إذا لم يكن المكون العسكري شريكاً فلماذا يتم التفاوض معه سراً؟ ولماذا يوقع على الاتفاق الإطاري؟!!التسوية إذا تمت تحت الرفض الشعبي الواسع لها فإنها ستقود السودان الى منزلق خطير لا يمكن التكهن بمآلاته وربما يقود ذلك الى وضع السودان تحت الفصل السابع لضمان السيطرة على الموقف المتفجر في منطقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للعالم.

البرهان وحميدتي أعلنا صراحة بأنهما سوف لا يسلمان السلطة للمدنيين إلا بعد إجراء انتخابات نزيهة أو توافق وطني شامل ومع ذلك قاما بالتوقيع على الاتفاق الإطاري بدون حدوث توافق وطني ورفض واسع للتسوية وهذا يعني أنهما قد نكصا عن عهودهما التي أعلناها للشعب وسيخصم ذلك كثيراً من رصيدهما السياسي!!

لحظات توقيع الاتفاق الإطاري تمثل لحظات تحرير شهادة وفاته حيث إن الحضور كان معظمه أجنبياً كما أن المقاومة الشرسة للتوقيع قد انطلقت بقوة نحو القصر ولو تمكنت من دخوله فإنها كانت ستحرر شهادة فشله من منبر توقيعه كما إنها كانت ستعرقل شهر العسل قبل أن يكتمل عقد قرانه!!

خلاصة القول: التوقيع على الاتفاق الإطاري لا يعني تسليم السلطة للمدنيين وهو غير ملزم للعسكريين ما لم يتم توافق وطني شامل خلال مفاوضات اللحظات الأخيرة.

ختاماً: في حالة انسداد الأفق السياسي والتعثر التام في الوصول للتوافق الوطني الشامل ينبغي الذهاب مبكراً إلى الانتخابات في يوليو القادم نهاية الفترة الانتقالية مع تشكيل حكومة تصريف أعمال من كفاءات وطنية مستقلة لإجراء الانتخابات.

وبالله التوفيق



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى