اسعار العملات

السودان.. كسلا.. تصدعات في جدران أرض التاكا


 

كسلا: محمد أحمد الكباشي

ثلاثة أعوام خلت لم تجن فيها مدينة كسلا غير الدماء والدموع ومزيد من التردي والانهيار في الخدمات والتنمية تسيطر عليها حالة من البؤس والخراب والدمار، وكل شيء هنا يتقهقر الى الوراء، وثلاث سنوات ولم تبارح فيها كسلا الصراعات والخلافات منذ الاعلان عن تعيين صالح عمار والياً انتهى به المطاف قبل الوصول الى أمانة الحكومة، لتستمر الاحداث سجالاً بين الفنية والأخرى، بل حتى معالم المدينة الطبيعية ما عادت بذلك الألق والجمال فالحال من بعضه كما يقولون، ومع مدخل المدينة من الناحية الغربية عند السوق الشعبي تبدأ ملامح البؤس والخراب في موقف البصات الذي يرسم ملامح الفوضى والعشوائية.. فمكاتب البصات السفرية لا تتعدى تربيزة وكرسي تحت أشعة الشمس يجلس عليه مندوب الشركة المعنية، ويتسابق سماسرة الركاب في التنافس حولهم للحجز، وبعدها يظل المسافر في حالة انتظار ممل تحت اشعة الشمس وقوفاً على أرجله، اذ ان كسلا مازالت تحلم بإنشاء ميناء بري حديث يماثل ما تم في عدد من المدن بالولايات، ومن هنا نقول هذا هو عنوان كسلا فكيف هي تفاصيل مدينة كانت وإلى وقت قريب عنواناً للسياحة وقبلة تقصدها أطياف من مجتمع الولايات بين زائر وتاجر ومزارع؟

من المسؤول يا حضرة الوالي؟
حالة الانهيار تبدو واضحة على جانبي الطريق الى مدخل المدينة من السوق الشعبي، وهنا يوجد فاصل اسمنتي ظل يشكل خطراً على أرواح المواطنين، وبسببه اريقت كثير من الدماء وازهاق العديد من الأنفس كان آخرهم صديقي المهندس عادل عبد الهادي أحد ضحاياه عندما اصطدمت الدراجة النارية بالصبة الخرسانية وتسببت في وفاته، رغم محاولة انقاذه الى الخرطوم، وذلك في ثاني ايام عيد الفطر الماضي، وبالرغم من مرور شهرين على الحادث المؤلم وما تبعه من حوادث بذات الموقع لم تحرك حكومة الولاية ساكناً خاصة ان والي الولاية قد وجه الجهات المختصة بالمعالجة الفورية بوضع علامات وعواكس منعاً لوقوع حوادث. وكان ذلك أثناء حضوره لتقديم واجب العزاء في الفقيد عادل كما أشار شقيقه د. عاطف، الا ان توجيهات الوالي ذهبت أدراج الرياح، فقد تكررت الحوادث ولم تتسن للصحيفة معرفة ان كان هناك ضحايا جدد او اصابات.
ماذا يخبئ القاش؟
عند عبور الحافلة التي كانت تقلنا في ذلك اليوم كوبري القاش الى داخل المدينة بدأ جريان نهر القاش ولكنه ليس بحجم الفيضان، وتحاول المياه المنحدرة ازالة الرمال من امام الكوبري، فقد تراكمت بصورة واضحة تكاد تغلق مجرى النهر المجنون، وهو الأمر الذي سيجعل مدينة كسلا شرقها وغربها هدفاً سهل المنال للقاش اذا وصل مرحلة الفيضان، وعندها لن تجدي اية معالجات لأن الوقاية هنا ليست خير من العلاج، في وقت اعلن فيه والي كسلا خوجلي حمد عبد الله عن اكتمال أعمال ترويض القاش وحماية المدن من الفيضان للموسم الحالي خاصة مدينة كسلا، حسب الخطة الموضوعة لهذا العام من قبل وحدة ترويض القاش ابتداءً من مدخل المياه الواردة من المرتفعات الإريترية عن نقطة الجيرة جنوب مدينة كسلا, وشملت المناطق جنوب كسلا بإنشاء عدد من (عراضات)، إلى جانب إزالة الجزر الرملية وتقوية جسور الحماية والحد من تغيير مسار النهر في منطقة الجيرة وآدم بشارة ومناطق السواقي الجنوبية.
شح المياه أزمة تخنق الأحياء
في جولة لـ (الإنتباهة) شملت احياء المربعات والختمية القديمة والدرجة ومربعات الحلنقة شمال ووسط والاحياء الجنوبية، وجدناها جميعها تشكو من أزمة مياه خانقة مع صفوف وطوابير طلباً للمياه، ويقول المواطن طاهر ريكا من مربع (25) ان المياه ظلت منعدمة تماماً في الحي لاكثر من ثلاثة اشهر، مع معاناة الاسر في الحصول عليها. وقال: (نذهب الى الاحياء المجاورة ولكن نظل كالمستجير من الرمضاء بالنار، وحكومة الولاية غير آبهة بمعاناتنا)، غير انه اشار الى بعض التحسن الذي طرأ في الآونة الاخيرة.

وأزمة المياه الصالحة للشرب التي زادت من معاناة إنسان المدينة ظلت تتكرر في صيف كل عام، ولكنها تفاقمت في هذا العام بصورة كبيرة جعلت الكثير من المواطنين يعتمدون على مياه (تناكر الحمير) بشكل يومي، بعد أن جفت خطوط إمداد المياه المنزلية، وجركانة المياه بلغ سعرها (400) جنيه بالمربعات،
فيما بلغ سعر (البرميل) في بعض أحياء الضفة الغربية من مدينة كسلا (2000) جنيه, الأمر الذي زاد من اعباء تكاليف المعيشة للمواطن الذي يكتوي بنيران الغلاء والمعاناة أصلاً. وتعتبر الآبار الجوفية هي المصدر الوحيد لمياه الشرب التي تغذي منازل مدينة كسلا عبر الخطوط, ولكن يتوقف انسياب المياه عبر هذه الخطوط مع حلول الصيف بسبب انحسار مياه الآبار نحو القاع, كما يعتبر التوسع العمراني وميلاد أحياء جديدة وربط شبكة مياه هذه الأحياء الجديدة بالقديمة احد الاسباب تفاقم أزمة مياه الشرب بالمدينة.
فيما وصفت المواطنة آسيا عباس التي تقيم بحي الختمية ازمة مياه الشرب الحالية بالاسوأ خلال عشرات السنين, مناشدة حكومة الولاية التدخل لحل هذه الأزمة التي تتفاقم يوماً بعد الآخر وفق ما ذكره الناشط المجتمعي فيصل الصعب في حديثه لـ (الإنتباهة)، مشيراً الى خروج أحياء شرق وغرب المدينة نتيجة لخروج آبار عن الخدمة، وأضاف فيصل انه تم انشاء منظمة (انا سوداني) من أجل محاربة العطش، مثمناً جهود حكومة الولاية وهيئة مياه الشرب بعد التعديلات التي طالتها، غير انه اشار الى تعقيد المشكلة في ظل الظروف التي يعاني منها العمال في هذا القطاع.
اختلاط الحابل بالنابل
ولفت انتباهي عندما كنت أتجول داخل سوق كسلا الازدحام الشديد واعاقة الحركة ليس امام السيارات بل امام المارة، اذ لا يوجد موطئ قدم إلا واحتله الباعة، فلا فرق بين بائع الخضار او من يقوم بعرض احذية وملابس وآخر يدفع أمامه درداقة محملة بالسلع المختلفة، بينما تنتشر الجزارات موزعة على نطاق واسع مع عرض اللحوم بطريقة مخالفة للاشتراطات الصحية. ويقول فيصل وراق لـ (الانتباهة): (في الفترة الاخيرة اصبح السوق لا يطاق نتيجة الازدحام والعشوائية مما جعله مهدداً امنياً نتيجة عمليات النشل والسرقة والظواهر السالبة)، وأشار وراق الى ان تجار الخضر والفاكهة والجزارين شُردوا من قبل حكومة الوالي السابق آدم جماع قبل ان يتم الغاء قراراته. والآن تجرى عملية انشاء مجمع بعد إعادته بواسطة المحكمة. وتوقع وراق اعادة تنظيم السوق عقب الانتهاء من العمل في المجمع.
تطور لافت
وحملت كثيراً من التساؤلات وطرحتها على المدير التنفيذي للمحلية مأمون عشر، ولم يكتف الرجل بالرد عليها داخل مكتبه بل حرص على ان اصطحبه في جولة على السوق والوقوف على سير العمل بالمجمع، وقدم شرحاً وافياً حول المشروع بسوق مدينة كسلا الكبير وفقاً للتصميمات العالمية، ويقول المدير التنفيذي بمحلية كسلا مأمون إن المجمع الجديد للخضر واللحوم والفواكه يضمن العيش الكريم لـ (300) اسرة من منسوبي الجزارين وبائعي الخضر. وكان العاملون في هذه المجالات قد تم تشريدهم عندما تم ترحيلهم لمنطقة بعيدة في حي الشعبية بكسلا وفشل ذلك السوق، مما اضطرهم للعودة الى العمل في سوق المدينة بافتراش الأرض, وأضحت تلك ظاهرة قبيحة وغير حضارية، وتردت صحة البيئة في سوق حاضرة الولاية وانتشرت ظاهرة الذبيح الكيري. وأبان مأمون أن المحلية شرعت في تصميم المجمع الجديد بمنهج هندسي محكم تحت إشراف وزارة التخطيط العمراني على النسق الأوروبي، ليحدث طفرة ليست على مستوى المحلية فقط بل على مستوى السودان، بينما توفر المحلية الدعم لتنفيذ المشروع. وأضاف أن العمل في المشروع بلغ نسبة 80٪ ورجح اكتمال المشروع في نهاية سبتمبر القادم، ونبه إلى أن المجمع سيقضى على الظواهر السالبة في سوق كسلا الكبير، ولفت إلى أن المحلية أجرت دراسات للعاملين بالسوق المختص بالخضر والفواكه وبيع المستلزمات الأسرية للأطعمة، وأوضح عشر أن المجمع تم تصميمه بمواصفات عالمية تشمل الصرف الصحي بتجهيز اربع آبار والإنارة، والمياه تمكن من تنظيف المجمع يومياً.

وبالمقابل بذلت محلية كسلا جهداً مقدراً في تطوير صحة البيئة. ويقول مأمون إن المحلية وفرت أكثر من أربع وعشرين آلية تراكتور ومقطورة اشترتها المحلية من جياد بمواردها الذاتية. وأكد أن المحلية ستكمل النقص في آليات النظافة البالغة ثماني عربات قبل نهاية العام الحالي. ونبه إلى أن كسلا تعتبر المحلية الاولى في السودان التي تستجلب الآلات بمواردها الذاتية ونقداً. وقال المدير التنفيذي لمحلية كسلا إن المحلية وضعت أصولاً ثابتة لها لتعينها على إنفاذ مهامها.
أمر مقلق
ونبه مأمون إلى عدم تفاعل الناس مع صحة البيئة ووصفه بالأمر المقلق، واستدل على ذلك بالنفايات التى يقذفها المواطنون في مواقع تصريف مياه أمطار الخريف التى تكلف المحلية أموالاً كبيرة تصل إلى حوالى تسعة ملايين جنيه في عمليات التطهير والحفر. وكشف عن فراغ المحلية من تجهيز (76) كيلومتراً من الطرق.
الخريف
وظلت كسلا تتعرض لأضرار في بعض مناطقها وخسائر في الممتلكات جراء الأمطار, بالرغم من وجود آلية لدرء مخاطر الخريف.. (الانتباهة) وقفت على الجهود المبذولة لتفادي السلبيات, وفي إطار الاستعدادات فإن حاضرة كسلا بما تشكله من واجهة حضارية للولاية بدأت مبكراً استعداداتها في هذا العام، حسب حكومة المحلية. وقال مأمون عشر المدير التنفيذي لمحلية كسلا إن المحلية تقوم بعمل استراتيجي في إطار الشراكات الذكية، وقال عشر ان المحلية درجت سنوياً على الاستعداد المبكر لفصل الخريف وتبعاته، حيث تم إنشاء مصارف الأمطار بطول (65) كيلومتراً لعدد ثلاثة مصارف رئيسة، فضلاً عن المصارف الفرعية بطول (48) كيلومتراً متوسطة، بالإضافة إلى المصارف المغطاة داخل سوق المحلية. ونفذت المحلية ذلك العمل في ظل ضعف الإيرادات وظروف الإضراب الذي مرت به الولاية بمؤسساتها المختلفة، بجانب عمل تروس في مواقع مختلفة، فضلاً عن قيام المحلية بتنفيذ مصارف استراتيجية بطول (12) كيلومتراً, الى جانب مصارف احترازية.
انهيار قطاع
قطاع الزراعة ليس بمعزل عن الذي تشهده ولاية كسلا، فقد بلغ الأمر ان ينعي بعض المزارعين هذا القطاع من واقع ما يواجهه من تحديات اجملها المزارع يحيى قسم السيد في ارتفاع التكاليف خاصة الوقود، الأمر الذي ادى الى تقلص عمليات ري الموز مما ادى الى تراجع الإنتاجية، مبيناً ان المزارع يتعرض لخسائر فادحة نهاية كل موسم، وأشار يحيى لـ (الإنتباهة) الى عدم اهتمام الحكومة المركزية بقضايا الزراعة، في وقت كشف فيه مسؤول لجنة خدمات القطاع البستاني بولاية كسلا محمد عثمان حمودة عن أن المشكلة الأساسية هي شح المياه بسبب قلة المياه في الحوض الجوفي بالولاية, وأشار الى ان هناك دراسات منذ عام 2011م لم تر النور حتى الآن، مشيراً الى عدم وجود اية حلول، وطالب الدولة بالتدخل وإيجاد الحلول الجذرية لمشكلة المياه. وأبان أن الاستهلاك اليومي للمياه أصبح متزايداً بعامل زيادة نسبة السكان بالولاية، وأضاف أن هناك عجزاً كبيراً جداً في المياه بسبب خروج عشرات الآبار عن الخدمة.
تضارب قرارات
وشدد على منع وإيقاف المنتج الذي تسبب في خسائر كبيرة للمزارعين رغم وجود قرار سابق من الحكومة الاتحادية بمنع استيراد البرتقال، مشيراً إلى أن المنتجات التي تستورد من الخارج أصبحت تتسبب في اختلال سعر الدولار بالبلاد وعدم استقراره. فيما قال أمين أمانة الجمعيات الزراعية بالقطاع البستاني بولاية كسلا عمر سليمان فرج الله ان التطور في الزراعة بكافة مجالاتها لا يتأتى الا بالعلم والتقدم التقني، واشار الى ان هناك تخصصاً في فحص التربة لمعرفة مدى نجاح المحصول، وأبان أن عدداً من المحليات بالولاية تمتلك أراضي خصبة شاسعة تصلح لأن تزرع مرتين في العام بالمحاصيل المختلفة ولكن تحرم من الزراعة بواسطة مجموعات. وقال ان سياسة الدولة تجاه المزارعين هي محاربة القطاع الزراعي بكل الوسائل، في حين أن برميل الوقود بلغ (160) الف جنيه، وارتفعت أسعار السماد بصورة خيالية، والمزارع يعاني ما يعاني من الغلاء في المدخلات الزراعية، مشيراً الى المزارعين يشتكون من أزمة المياه بعد قلة وجفاف المياه في الحوض الجوفي بكسلا، وابان ان الحوض الجوفي يحتاج الى التغذية من مياه القاش والتطهير سنوياً، وهذه المسؤولية تقع على الحكومة الاتحادية ولكن حياة لمن تنادي.

ومن جانبه أشار أمين أمانة الوقود بلجنة خدمات القطاع البستاني بولاية كسلا عبد المحمود بشير محمد صالح إلى ازمة الوقود التي يعاني منها القطاع البستاني بالولاية وعدم اهتمام الدولة بهذا القطاع. وقال إن المزارعين يدفعون للدولة الضرائب والزكاة وكل الجبايات ولكن لا يوجد أدنى اهتمام بالمزارعين.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف السودان.. كسلا.. تصدعات في جدران أرض التاكا



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى