المقالات

الدين واحد والخلق كثير


لا ينبغي التقليل من أي تجربة أو فعل داخل المحيط الإسلامي كما لا ينبغي حصر وتحديد الأعمال الطيبة بالمهام والمسؤوليات العظيمة.

فنجاة الله ومرضاته كما شملت العلماء والقادة والزعماء، فهي كذلك شملت البسطاء، وما أكثر الأمثلة على ذلك.
فها هو خالد بن الوليد يمسك بكتاب الله مخاطبا له:
“شغلنا الجهاد عن تعليم القرآن”.
فقول خالد هذا دليل على أن الناس قدراتهم مختلفة وإلا فلا أحد ينشغل عن القرآن من حيث تلاوته وتدبره وحفظه ولكن حينما كانت قدرات خالد في ساحات القتال فهذه القدرات رغم أنها أبعدته عن القرآن إلا أنها لم تحرمه من الفضل في مجال آخر من مجالات الحياة، فهو سيف الله المسلول.
و نشاط آخر داخل دائرة الإسلام مخالف تماما لنشاط خالد وهو  في قمة العظمة، فها هو عبد الله بن مسعود ليس له حظا في الحرب لكن قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ” يقصد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
فقد كان ابن مسعود يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ”  مم تضحكون ” ؟
قالوا يا نبي الله من دقة ساقيه فقال:
” والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد “.
فالشاهد أن الدين وعظمته لم يقتصر فضله على أشخاص بصفات معينة، وإنما شمل جميع الخلق بكافة قدراتهم وإمكانياتهم.
فقد يعتلي المنبر عالم مذكرا الناس بعظمة الدين ذاكرا آيات الله الترهيبية والترغيبية وفي ذات المسجد تجد بائعا للمساويك خارج المسجد لا صنعة له غيرها غير غاش أو طامع في بيعها يكون قريبا من ربه.
فرغم الاختلاف الكبير بين فعل العالم وفعل بائع المساويك إلا أن كلا الشخصين قد يكونا حاضرين وعظيمين في الإسلام.
منظفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عنها فقالوا له ماتت يا رسول الله فلامهم على عدم إخباره بموتها فقالوا له لقد توفت بالليل وخفنا عليك أن نزعجك، فسألهم عن مكان قبرها فصلى عليه.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” بينما رجل يمشي في طريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له ”
فقط شرطان لكل فعل إذا تحققا سيدخل الفعل داخل دائرة الإسلام، وقد لا يقل قدرا أو أجرا عن أي فعل آخر.
الشرط الأول: صحة الفعل، ومصدر صحته القرآن والسنة.
الشرط الثاني: الإخلاص.
إن الحياة بكل طولها وعرضها وبكل عمقها وبساطتها وبكل غنيها وفقيرها وبكل صغيرها وكبيرها لم يستثن الإسلام منهم أحد.
كما لم يحصر الفضل في جهة معينة.
فقط صحة الفعل وإخلاص صاحبه، فلا يسأل بعد ذلك عن حجم الفعل، فهو عظيم سواء كان على قارعة الطريق أو داخل قصر منيف.
فهو عظيم سواء من قام به ماشيا حافي القدمين أو ممتطيا سيارة فخمة.
فهو عظيم سواء قام به عالم جليل أو رجل بسيط لا يعرف من الدين سوى فرائضه.
فالعمل قد يكون عظيما سواء من قام به عالم وبحر في العلم أو قام به فرد بسيط لا يكاد يفك الخط.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من باب الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة” فقال أبو بكر رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا  رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب جميعها؟
قال: ” نعم وأرجو أن تكون منهم”
فما أعظم هذا الدين وما أنبله!!!

1669117478_300_العدل-والمساواة-لسنا-طرفا-في-الحوار-السري-والجهري-بين-المكون.webp الدين واحد والخلق كثير





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى