أخبار السودان

الحرية والتغيير (المجلس المركزي).. هل تفلح الوساطة السعودية الأمريكية في الإقناع؟


تقرير: هبة محمود

تتسارع وتيرة الأحداث في البلاد وتتباطأ، لكنها لا تنتهي ابدا، فمنذ سقوط البشير في عام ٢٠١٩ والاوضاع في فترة الانتقال تتشابك هنا وهناك، وتتلاحق في قاسم مشترك واحد يجمع بينها عنوانه العريض هو البحث عن كيفية الخروج من الازمة والمأزق معاً، مما يجعل الجديد حاضراً في الأحداث بل ومتوالياً. ومع هذا التلاحق والتشابك نظل نستعرض ونحلل ونقف على مجريات الأحداث حال وقوعها، وفق ممكن ومُتاح المساحات، خلال مشابك الأسطر التالية.
إرهاصات عن لقاء ثانٍ مع المكون العسكري

يبدو أن محاولات الإقناع تمضي على قدم وساق بشأن إجلاس المجلس المركزي للحرية والتغيير مع المكون العسكري من قبل وساطة سعودية أمريكية، بدأت الخميس بلقاء غير رسمي دعت اليه طرفي الوساطة التي تأتي تحت مظلة الآلية الثلاثية المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والايقاد. فقد كشفت مصادر لـ (الشرق) عن اجتماعين منفصلين سيعقدهما تحالف الحرية والتغيير (اللجنة المركزية) مع المكون العسكري والآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيقاد، لطرح رؤية التحالف على الآلية في ما يتعلق بترتيبات دستورية جديدة ووضع برنامج لإنهاء الأزمة. فيما يهدف الاجتماع للخروج من حالة الانقلاب، بالإضافة لبحث موقف التحالف من الاجتماعات المباشرة التي تُيسرها الآلية الثلاثية، مما يطرح تساؤلات حول مستجدات الخطوة عقب تشديد قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي على عدم خوض اي حوار لا ينهي الانقلاب ويبعد العسكر عن السلطة؟
نقد
انتقادات لاذعة واجهت قوى الحرية والتغيير عقب لقائها مع العسكر، ليس من قبل تجمع المهنيين ولجان المقاومة فحسب، وإنما من داخل المكون نفسه، في وقت أشارت فيه أصابع الاتهام من قبل كثيرين لها، وذلك لرغبتها في الجلوس مما جعلها تدفع بقيادات متقاربة مع العسكر. وقال حزب البعث العربي الاشتراكي في بيان صادر عنه إن اللقاء الذى تم مع المكون العسكري دون التشاور مع الأطراف المقترحة للجبهة الشعبية الواسعة.
واستنكرت لجان المقاومة اللقاء وأكدت عدم رغبة الحرية والتغيير في الوقوف مع مطالب الشارع، فيما أعلن تجمع المهنيين رفضه أي حوار مباشر او غير مباشر.
واتهم في ذات الأثناء حزب البعث العربي الاشتراكي المكون العسكري بمحاولة شق صف قوى الثورة مجتمعة، داعياً إلى ضرورة التوصل إلى حل، مؤكداً في الوقت نفسه ان هذا ما ظل يسعى له قائد الانقلاب ومن هم وراء محاولات اضعاف قوى الحرية والتغيير، بإشاعة أجواء عدم الثقة بين قوى الانتفاضة والتغيير على حد تعبير البيان.
موجة الشارع
وعقب لقاء رسمي جمع المكون العسكري مع الحرية والتغيير بدعوة سعودية أمريكية، سارع المجلس لتوضيح أسباب اللقاء ومن ثم عقد مؤتمر صحفي أوضح فيه تفاصيل ما جرى، مشدداً على رفض حوار السلام روتانا الذي يقود إلى شرعنة الانقلاب، قبل أن تخرج السفارة السعودية ببيان وكذا مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية (مولي في) بتصريح اكدا خلاله موافقة الأطراف على إنهاء الأزمة السياسية بالبلاد، مما خلف علامات استفهامات واسعة. وذهب كثيرون إلى أن اختيار قوى التغيير كل من ياسر عرمان والواثق البرير وطه عثمان، ممثلين لها للقاء المكون العسكري له دلالات محددة تشير الى سير التفاوض في منحى الموافقة، لجهة ان هذه القيادات ذات تقارب مع المكون العسكري.
وبحسب المحلل السياسي نصر الدين بابكر لـ (الانتباهة) فان الدعوة السعودية الأمريكية نجحت في إحداث حالة تقارب بعد أن فشل فولكر وود لبات في جمع الطرفين. ويذهب بابكر إلى أن جميع المؤشرات تؤكد رغبة الحرية والتغيير في التوصل إلى حل، وذكر القيادي خالد عمر يوسف خلال تصريحات له ضرورة الجلوس مع العسكر والحوار مما يؤكد عزمها على ذلك غير أن موجة الشارع عالية.
دماء ودمار
وفي يوم الخميس الماضي التأم لقاء غير رسمي جمع قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي والمكون العسكري، بمنزل السفير السعودي بالخرطوم، بدعوة من مساعد وزير الخارجية الامريكية للشؤون الافريقية (مولي في) في اطار مشاورات الحاقها بالحوار المباشر.
وفيما انتقدت قوى الثورة اللقاء وعدته انحرافاً عن مطالب الشارع عقب انقلاب ٢٥ أكتوبر، استنكرت في المقابل قوى سياسية أخرى رفض الحرية والتغيير الجلوس مع العسكر لإنهاء الأزمة.
ويرى بدوره المحلل السياسي محجوب محمد ضرورة تحكيم العقل وجلوس كل الاطراف مع بعضها لحل الازمة وتقديم تنازلات. وأكد خلال حديثه لـ (الانتباهة) انه في ظل هذا التعنت كل الاطراف خاسرة، وقال: (العسكر قدم تنازلات وهيأ المناخ ولا بد لقوى التغيير من الجلوس والاتفاق على صيغة مرضية، وفي ظل هذا التنازع لن يكون هناك سوى المزيد من الدماء والدمار).
الخروج من الانقلاب
وابلغت مصادر لـ (الشرق) أمس السبت، إن اجتماعين منفصلين سيعقدهما تحالف الحرية والتغيير (اللجنة المركزية) مع المكون العسكري والآلية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيقاد، لطرح رؤية التحالف على الآلية في ما يتعلق بترتيبات دستورية جديدة ووضع برنامج لإنهاء الأزمة. وأضافت أن هدف الاجتماع الخروج من حالة الانقلاب، بالإضافة لبحث موقف التحالف من الاجتماعات المباشرة التي تُيسرها الآلية الثلاثية.
وكانت مصادر متطابقة قد أكدت لـ (الشرق) أن اجتماعاً منفصلاً يضم ممثلين من المكون العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير من المتوقع أن يُعقد بغرض حل الأزمة السياسية، فيما أوضحت أن الاجتماع سيعكف على إعداد وتسليم خطة عمل لإنهاء الأزمة بين الطرفين وإيقاف تنفيذ القرارات المتعلقة بإعادة عناصر من النظام السابق للخدمة العامة وغيرها من الملفات.
اشتراطات
وظلت قوى إعلان الحرية والتغيير المجلس منذ انقلاب ٢٥ أكتوبر ترفع شعار اللآلات الثلاثة (لاشراك، لا تفاوض، لا شرعية) مع العسكر، في وقت باءت فيه كل المبادرات بالفشل، ومع انطلاق مشاورات فولكر للحل سلمت رؤيتها الكاملة الرافضة لشرعنة الانقلاب التي تتمثل في انهائه والتأسيس لوضع دستوري ذي مشروعية شعبية، على أن يكون هدف العملية السياسية هو تأسيس سلطة مدنية كاملة تختارها قوى الثورة والتغيير وفقاً لترتيبات دستورية جديدة تنأى بالمؤسسة العسكرية عن الحكم وتقر إصلاحات جوهرية تضمن التحول الديمقراطي المدني. وفيما رحبت قوى الحرية والتغيير بمبادرة الأمم المتحدة دفعت بمطلوبات منها تهيئة المناخ السياسي واطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإنهاء حالة الطوارئ خطوة استباقية قبل البدء في اية عملية حوار.

ما بين (حب السلطة) و (سياط الشارع).. القوى السياسية.. الوقوف (حيرى) في منتصف المسافات
حالة من التنازع بين (هوى السلطة) و (سياط الشارع) تسيطر على القوى السياسية مجتمعة، ادت بدورها إلى إفراز هذا المشهد السياسي المعطوب والتشدد على رفض حوار الآلية الثلاثية المشتركة المباشر مع العسكر. فمؤشرات الميزان السياسي الآن وفق متابعين، ابعد ما تكون عن إيجاد الكيفية او الصيغة المناسبة لإخراج البلاد من وهدتها، بل انها ترنو نحو الشارع وكيفية تقبل الحوار في ظل اللاءات الثلاث. وبحسب مراقبين فإن قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي وبقية قوى الثورة، ينأوون بانفسهم عن الجلوس مع المكون العسكري خوفاً من تكرار التجربة السابقة التي ابعدتهم عن الشارع وافقدتهم السيطرة عليه عقب التماهي معه، وهو ما يجعلها تقف حيرى بين منتصف المسافات، ولعل قبولها اي ــ قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي ــ الدعوة للجلوس مع العسكر يوم الخميس الماضي في جلسة غير رسمية بمبادرة سعودية أمريكية، كان بمثابة بالونة اختبار حول أصداء اللقاء الذي أثار جدلاً واسعاً ودفعها لإصدار بيان فجر الجمعة شددت فيه على رفضها حوار السلام روتانا وشرعنة الانقلاب، دون أن تكتفي بذلك بل اعقبته بمؤتمر صحفي نهار الجمعة أوضحت خلاله ما جرى.
البوصلة
تحديات كثيرة ربما تجد قوى الثورة نفسها فيها، عقب جملة من الاخطاء التي مارستها خلال تجربة الحكم السابقة على رأسها الاستئثار بالسلطة والبعد عن الشارع الذي منحها التفويض الكامل، غير أن اهواء السلطة واشواق الحكم باعدت المسافة وافقدت الثقة بين الأطراف، مما جعل الشارع يدرك أهمية الوقوف على قضيته وثورته بنفسه دون منح تفويض لاحد، ومنذ انقلاب ٢٥ أكتوبر الماضي بدأت لجان المقاومة وتجمع المهنيين بصورة فعلية في تنفيذ اعتزامها وتولي زمام القيادة، فيما ارتأت قوى الثورة وعلى رأسها الحرية والتغيير المجلس المركزي الالتزام بمطالب الشارع واحترامها بل والمناداة بها، وبحسب مراقبين فإنها تمارس التمنع رغم رغبتها في عودة الشراكة خوفاً من لجوء العسكر إلى صناديق الاقتراع مما يعني عودة الإسلاميين مجدداً. ووفقاً للمحلل السياسي د. صلاح الدين الدومة لـ (الانتباهة) فان الشارع الآن أصبح بمثابة البوصلة التي تحدد وجهة ومسار القوى السياسية، مشيراً إلى عدم ممانعته وجود لقاءات مع العسكر تعيد الأوضاع إلى ما قبل ٢٥ أكتوبر. وتابع قائلاً: (القوى السياسية لديها رغبة في عودة المشاركة والحكم، لكنها رغبة ليست في محلها، لأنها تعرف انها لا تستطيع المضي في غير اتجاه مطالب الشارع).
لقاءات سرية
ويعتقد كثيرون أن قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي تراهن على القوى الاقليمية والدولية في اقناع العسكر لإنهاء الانقلاب وتسليم السلطة كاملة للمدنيين، غير ذات القوى تربطها مصالح مع العسكريين، وقد بدأ ذلك من خلال تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية (مولي في) دعم الإدارة الأمريكية لعملية الانتقال في السودان، والحوار والوفاق بين القوى السياسية والأطراف السودانية الذي ترعاه الآلية الثلاثية، مما يعني وجود العسكر. ويرى المحلل السياسي بدر الدين خالد خلال حديثه لـ (الانتباهة) أن حجم التنازع موجود وكبير بين القوى السياسية سيما مكونات الحرية والتغيير المجلس المركزي، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الاتهامات التي كثيراً ما طالتها بعقد لقاءات سرية مع العسكر التي طالما سعت لنفيها.
وكانت في اوقات سابقة قد تحدثت قيادات بالحرية والتغيير عن وجود تسوية سياسية مرتقبة، لكن يبدو ان تمسك الشارع بشعارات الرفض جعلها تقف في منتصف الطريق، وبحسب مصادر لـ (الانتباهة) فان التسوية تمضي وفق ما هو مرتب له غير أن أمر الرفض لا يعدو كونه شعارات وطنية ليس إلا.
إرضاخ
ضغوط الشارع وسياطه اللاذعة أوضحت وفق متابعين بجلاء تناقض المواقف لجل القوى السياسية على رأسها قطبا السياسة حزبي (الأمة) و (الاتحادي الديمقراطي الاصل) اللذان رغم تبنيهما مبادرة سياسية لحل الازمة، غابا عن الحوار المباشر الذي أعلنته الآلية الثلاثية المشتركة بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والايقاد. وفيما ظل رئيس حزب الأمة القومي المكلف اللواء فضل الله برمة ناصر اكثر الداعين للحوار، الا انه بحسب المحلل السياسي بدر الدين خالد لـ (الانتباهة) رضخ لارادة حزبه الرافض المشاركة.
وفي خضم ذلك سارع الحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل إلى إصدار بيان نفى عبره مشاركته في الحوار.
ويرى بدر الدين ان هناك مخاوف متعلقة اكثرها بالشارع والسقوط الكبير لهذه الأحزاب حال شاركت العسكر مجدداً بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر الماضي وسقوط الشهداء، وتابع قائلاً: (المعادلة صعبة للغاية في ظل ما تشهده البلاد).

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف الحرية والتغيير (المجلس المركزي).. هل تفلح الوساطة السعودية الأمريكية في الإقناع؟





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى