الإقتصاد

التسوية السياسية.. هل تحل أزمة الاقتصاد؟


 

الخرطوم: عبد الرحمن صالح

ظلت تأثيرات المشهد السياسي في البلاد تنعكس آثارها على ما يحدث اليوم من تردٍ اقتصادي وانفلات أمني، ووسط حالات العنف السياسي تفاقمت الآثار الاقتصادية والاجتماعية والفوضى الإدارية، وخلال الأيام الماضية لاحت بوادر انفراج في الأزمة السياسية في انتظار تسوية وإجراءات لبناء الثقة أطلقها رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، تمهد للدخول في حوار بين المدنيين والعسكريين، بعد أن تفاقمت الأزمة عقب الاجراءات التي اتخذها البرهان في (25) أكتوبر الماضي التي القت بظلال سالبة على الوضع الاقتصادي والمعيشي على المستويات كافة، واصبحت لها انعكاسات سالبة على الاقتصاد الذي يعيش كساداً وتضخماً تراكمياً يقوده إلى الانهيار، ليبقى السؤال: هل يمكن أن يساهم الاستقرار السياسي حال توصل السياسيون لتشكيل حكومة مدنية في حل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد الآن؟ وهل يمكن أن تنال الحكومة الجديدة رضاء المجتمع الدولي ويواصل في تدفق المساعدات الاقتصادية التي تم تجميدها عقب انقلاب (25) أكتوبر.
ويرجح خبراء اقتصاديون بامكانية فك التجميد حال اثبتت الحكومة الجديدة انها تمثل الديمقراطية والمجتمع المدني، الا ان الخبير الاقتصادي كمال كرار يؤكد أن الاسباب الرئيسة في تفاقم الازمة الاقتصادية هي الحكومة الحالية والسياسات التي انتهجتها تسببت في الأزمة الاقتصادية الحالية، ويضيف أن السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومات خلال السنوات الثلاث الماضية كانت (بطالة شديد)، ويقول كمال في حديثه لـ (الانتباهة) إن حديث البرهان عن إجراء تسوية لبناء الثقة تمهد للدخول في حوار بين المدنيين والعسكريين لتشكيل حكومة، ويؤكد أن الانقلاب في أزمة ويريد حاضنة له، وهذا الامر بقيادة من المجتمع الخارجي يقوده (فولكر)، ويؤكد أن الخارج يريد حكومة ضعيفة مدنية صورية، ويضع السياسة كلها في يد العسكر الذين يلجأون لانتخابات مزيفة، ويضيف قائلاً: (الشارع والشعب السوداني لن يقبل باية تسوية سياسية، والمظاهرات تخرج الآن ضد الانقلاب ولن تقبل بتشكيل حكومة مثل التي ينوى تشكيلها). ويجزم بأن سبب الأزمة الاقتصادية الحالية في البلاد السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة.
وحول هل يمكن أن تنال الحكومة التي ينوي تشكيلها رضاء المجتمع الدولي وبالتالي تتدفق المساعدات المالية التي تم تجميدها عقب انقلاب (25) أكتوبر؟ استبعد كمال أن يتعاون المجتمع الدولي اقتصادياً مع الحكومة التي ينوي البرهان تشكيلها لجهة عدم قبول الشارع لها، ويؤكد أن المجتمع الدولي لن يتعاون مع الحكومة ولن يقوم بفك المساعدات الاقتصادية التي تم تجميدها، لأن الوضع في البلاد سوف يكون هشاً، والمظاهرات سوف تنتظم الشارع الى أن يسقط الانقلاب بثورة أو أن يذهب المجلس العسكري، ويؤكد كمال أن حل الأزمة الاقتصادية يكمن في تشكيل حكومة مدنية قوية متفق عليها من قوى الثورة الحية لتضع سياسات اقتصادية صحيحة تعالج الأزمة، في وقت يؤكد فيه كمال أن البلاد لديها أراضي وثروات وموارد كبيرة والعالم ينظر اليها نظرة دونية، ويقول إن حكومة حمدوك (مرمطت) الشعب السوداني بالأرض بسبب التسول الذي انتهجته خلال فترة حكمها، ويجزم كمال بأن القائمين على الملف الاقتصادي عملاء ولاؤهم لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أكثر من ولائهم للشعب السوداني.
وبعد قيام ثورة ديسمبر المجيدة وضعت حكومة حمدوك رؤية جديدة للتنمية مدعومة بتسهيلات المجتمع الدولي في إعفاء الديون وتقديم القروض وغيرها، ولكن النزاعات السياسية وانقلاب 25 أكتوبر وعدم الاستقرار السياسي احدث تشوهات في الاقتصاد أدت إلى اختلال التوازن في مؤشرات الاقتصاد الكلي الذي انعكس على معيشة المواطن، واستبعد عضو اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير الخبير الاقتصادي عادل خلف الله إيجاد حلول للازمة الاقتصادية التي هي في الاصل أزمة سياسية في إطار سلطة الانقلاب واستمرار هيمنتها على القطاع الأمني والعسكري وأهم مقدرات البلاد ومفاصل الاقتصاد وفي مقدمتها قطاع الصادرات، ويؤكد عادل في حديثه لـ (الانتباهة) أنه بعد تجربة السنوات الثلاث الماضية وبعد انقلاب 25 أكتوبر لم تعد هناك اية مصداقية يدلي بها الانقلابيون على حد قوله، ويقول إن الدور الذي قاموا به في التحول الديمقراطي والاصلاح الاقتصادي يكمن في استماتتهم لحماية المصالح التي تشكلت بالتمكين وصولاً لانقلاب 25 أكتوبر، ويجزم بأن الأزمة الاقتصادية لن تحل بالتسويات السياسية وانصاف الحلول، لجهة أن الأزمة بعمقها وشموليتها وتركيبة السلطة الانقلابية لن تحل بالتسويات.
ويرهن عادل حل الأزمة الاقتصادية بإسقاط الانقلاب وقيام سلطة مدنية ديمقراطية تنهي الدور السياسي الذي تمارسة نخب عسكرية باسم القوات المسلحة، ويشدد على ضرورة إعادة بناء الجيش على عقيدة وطنية حديثة، وانهاء اي مظهر من مظاهر السلاح وتحويل فصائل العمل المسلح لقوى مدنية تخوض الانتخابات التي تشرف عليها السلطة الديمقراطية المدنية بعد توفر مطلوباتها، ويؤكد عادل أن حل الأزمة الاقتصادية يتمثل في تبني برنامج اقتصادي وطني قائم على حشد الموارد في خزانة واحده، بالاضافة الى إحداث التوسع في شركات المساهمة العامة، ويجزم بأنه بدون سيطرة الدولة على أهم الايرادات التي تتمثل في قطاع المعادن (الذهب) وغيره لن تحل مشكلة الاقتصاد.
وحول هل يمكن أن تنال الحكومة التي ينوي تشكيلها رضاء المجتمع الدولي وبالتالي تتدفق المساعدات المالية التي تم تجميدها عقب انقلاب 25 أكتوبر؟ استبعد عادل ان يتعامل المجتمع الدولي من الحكومة التي ينوي تشكيلها، ويشير الى أن تعاون المجتمع الدولي يعتمد على الثقة في مستقبل النظام القائم، والوضع القائم بعد انقلاب 25 أكتوبر لا يمكن لاية جهة أن تثق فيه. ويؤكد عادل أنه منذ انقلاب 25 أكتوبر توقف التزام السودان في الايفاء بديونه السابقة التي كانت تنتظر وصول السودان الى لحظة الاستفادة من مبادرة (الهيبك) لاعفائه من الديون، ويشير الى وجود كثير من الاسس التي لا تشجع الامم المتحدة والمجتمع الدولي على دعم سلطة الانقلاب، ومن أهمها مسألة الشفافية والحوكمة، في وقت يؤكد فيه عادل أن التسوية وإجراءات بناء الثقة التي أطلقها البرهان تمهيداً للدخول في حوار بين المدنيين والعسكريين، يؤكد أنها ليست تسوية وانما حشد لاحزاب تابعة للانقاذ وقوى كانت جزءاً من الثورة، وهي قوى إعاقة الانتقال الديمقراطي ولم تقدم للسلطة شيئاً منذ انقلاب 25 أكتوبر، ويضيف قائلاً: (لا يمكن لقوى أن تشارك الانقلابيين وتحول لحاضنة لهم، وتتحول لبوق وتروج لتسوية سياسية، والأزمة الاقتصادية بتفاقمها بانقلاب 25 أكتوبر لا يمكن أن تحل بتسوية سياسية في ظل استمرار من قوضوا المسار الديمقراطي).
أما بالنسبة للخبير الاقتصادي د. عبد الله الرمادي فقد قال ان وجود الرغبة السياسية الصادقة يمكن أن تنتشل الاقتصاد السوداني من وهدته، ويقول: (بالامكان أن ينصلح الحال الاقتصادي اذا كانت هناك رغبة سياسية لانتشال الاقتصاد السوداني)، ويشدد الرمادي في حديثه لـ (الإنتباهة) على أن تكون هناك جدية من السلطة السياسية في حل الأزمة الاقتصادية، وليس من بين الإجراءات الالتزام بالروشتة المدمرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي عملت على رفع معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة في تاريخ السودان، ويقول: (إذا كانت الحكومة الحالية مازالت ملتزمة بتطبيق روشتة البنك الدولي فيجب عليها أن توقفها فوراً، وأن تعمل على وضع إجراءات فورية لوقف نزيف التهريب، وأن تنفذ الحكومة اجراءات لخفض معدلات التضخم المدمر للاقتصاد)، ويؤكد الرمادي أن طرق معالجة الاقتصاد السوداني واضحة وميسورة، وامكانات السودان تساعده على انتشال الاقتصاد من هذه الوهدة خلال اقل من خمس سنوات إذا كان هناك انضباط حقيقي ومراعاة لمعالجة اسباب تدهور الاقتصاد فوراً.
ويشير الرمادي إلى انه في حال حل الازمة السياسية مع ظهور بعض القوى السياسية التي تنادي بتمديد الفترة الانتقالية، هنا يبرز سؤال عن مصير معاش المواطن في ظل تمديد الفترة الانتقالية، ويؤكد أن المواطن أصبح محبطاً عقب تدهور الحال في الفترة الانتقالية لمستوى لم يحدث في تاريخ السودان وافقر المواطن بدرجة لم تحدث، وسرحت كثير من الايدي العاملة في المصانع والزراعة بسبب تباطؤ حركة الاقتصاد وسوء ادارة امكانات البلاد المتوفرة التي تكفي لقارة وليس (40) مليون نسمة، ولكن سوء الإدارة من الحكومات جعل المواطن محبطاً، ويؤكد الرمادي أن الالتزام الحرفي بتطبيق روشتة البنك الدولي كان أكبر خطأ في الفترة الانتقالية التي تدهور فيها الحال المعيشي لمستوي متدنٍ عجز معه رب الاسرة عن توفير وجبتين لأسرته بسبب التخبط في إدارة الموارد.
ويبدو أن انفراج الأزمة السياسية على نحو مرضٍ وتشكيل حكومة ترضي الشارع مع استكمال مؤسسات الفترة الانتقالية ستكون له انعكاساته الايجابية على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بعد أن أصبح المواطن ضحية الصراع السياسي الحالي. ويؤكد الخبير الاقتصادي وائل فهمي أن الأزمة الاقتصادية القائمة الآن ابعادها داخلية وخارجية وليست في حل الازمة السياسية فقط، ويشير في حديثه لـ (الانتباهة) الى أن مسألة الوجود العسكري في الحكم الآن هي التي تمثل المشكلة، لجهة أن شكل الشراكة بين المدنيين والعسكريين غير مفهوم حتى يتم قبوله دولياً، ويجزم بأن الأزمة الاقتصادية أكبر من الداخل، وأن الحلول الجزئية للازمة السياسية والاقتصادية من الداخل لن تكون كبيرة وتحتاج الى الكثير من الخارج لجهة أن الاقتصاد يعتمد على الخارج، ويقول إن الموارد المتاحة في الداخل والخارج يمكن ان تخرج البلاد من الازمة الاقتصادية عقب التوافق السياسي.
وحول هل يمكن أن تنال الحكومة التي ينوي تشكيلها رضاء المجتمع الدولي وبالتالي تتدفق المساعدات المالية التي تم تجميدها عقب انقلاب 25 أكتوبر؟ يؤكد وائل ان الحكومة المدنية التي ينوي البرهان تشكيلها اذا ارضت المجتمع الدولي وطبقت شروطه سيدعمها اقتصادياً، ويضيف قائلاً: (إذا المجتمع الدولي وافق على شكل الحكومة وأوفت بشروطه ونفذت روشتة البنك الدولي ولم يتدخل الجيش في السلطة، سوف يحدث انفراج اقتصادي وتستطيع الحكومة أن تعمل)، ويرى وائل صعوبة تصور ردة فعل المجتمع الدولي والخارج حول الحكومة التي ينوي تشكيلها لانها سياسة وليست قوانين، لجهة أن السياسة عند الخواجات تختلف عن القوانين، ويشير وائل الى أن رفض الخواجات حضور وزير المالية جبريل ابراهيم اجتماعات البنك الدولي التي تجرى الآن فيه مؤشر الى أن الخواجات لديهم رأي في الحكومة القائمة الآن وفي وزير المالية نفسه، وهذا مؤشر سلبي بأن لديهم رأياً في مكونات الحركات.

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف التسوية السياسية.. هل تحل أزمة الاقتصاد؟





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى