اسعار العملات

التاج بشير الجعفري يكتب: الأمن الغذائي .. وتصريحات وزير المالية!


[رؤيتي]

بقلم – التاج بشير الجعفري

إشارة وزير المالية لقصور في توفر البيانات الدقيقة عن التربة وكمية الماء بالإضافة للفشل في الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية في البلاد ليس بالشييء الجديد وهو جزء يسير من جملة المشاكل والمعوقات التي تعاني منها كافة القطاعات الإقتصادية؛
أما الجديد فهو أن نسمع من وزير المالية عن ترتيبات ستجعل السودان “في مقدمة الدول في الأمن الغذائي” .. وذلك خلال مخاطبته الندوة العلمية المتخصصة حول ” مبادرة الأمن الغذائي العربي” بقاعة الشارقة في الخرطوم بداية هذا الأسبوع.

حقيقة أرى كلام الوزير عن إمكانية تصدر السودان لمجال الأمن الغذائي يبدو مبهما ومتناقضا ويصعب استيعابه بالنسبة للمتابع لما يجري على الواقع.

كيف ذلك؟
سأقول لكم ..
أولا: يتحدث الوزير عن إمكانية أن يصبح السودان “في مقدمة الدول في الأمن الغذائي” بينما لا نرى أية مؤشرات جادة لتحقيق ذلك التوجه؛ بل على العكس يظل التدهور المستمر هو السمة الغالبة على أداء كافة القطاعات الإقتصادية ومن ضمنها القطاع الزراعي إذ يعاني من غياب الخطط اللازمة لتأهيله وتطويره بإدخال الأساليب والتقنيات الزراعية الحديثة.
ويجب أن لا نستغرب من كل هذا التدهور في القطاع الزراعي وغيره من القطاعات وذلك بسبب تراكم المشاكل لفترات طويلة دون حلول وعدم وجود جهاز تنفيذي يعمل بخطط وأهداف محددة في الوقت الحالي.

ثانيا: تعيش البلاد حاليا حالة عزلة إقتصادية مع المؤسسات المالية الدولية منذ الخامس والعشرين من أكتوبر العام 2021 والتي توقفت على إثرها كل البرامج الإقتصادية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي كان وزير المالية الحالي جزءا منها.

أيضا نعلم جميعا افتقار القطاع الزراعي وكافة القطاعات الاقتصادية للكثير من البنيات التحتية والمعدات الحديثة والتمويل والمتطلبات الأخرى اللازمة لتأهيلها والتي يتطلب توفيرها مبالغ كبيرة ليس بمقدور البلاد توفيرها من مواردها الحالية؛ ولذلك فإن الحديث عن إمكانية أن يصبح السودان في مقدمة الدول في الأمن الغذائي أو أن يصبح سلة لتأمين غذاء الدول العربية؛ كما هو مأمول، دونه الكثير من المعوقات والمشاكل البنيوية في هيكل الإقتصاد وقطاعاته المختلفة؛ وهي مشاكل لا يمكن معالجتها إلا من خلال برنامج إقتصادي بأهداف واضحة ومن خلال حزم إصلاح إقتصادي شاملة ومتكاملة.

ثالثا: أشار الوزير في مخاطبته للندوة لأهمية معالجة مشاكل البنية التحتية للقطاع الزراعي المتمثلة في الطرق والسكك الحديدية والكهرباء والصوامع والمعامل بالإضافة لدعم مدخلات الإنتاج؛ وهي مشاكل مزمنة يعلمها القاصي والداني ولا تحتاج لتوضيح، ولكنها تحتاج لحلول .. فما هي خطط وزارة المالية والوزارات المعنية الأخرى لإيجاد حلول لهذه المشكلات حتى يمكننا أن نثق فيما يقوله حول إمكانية أن يصبح السودان في “مقدمة الدول في مجال الأمن الغذائي”.

رابعا: غير بعيد عن ما يتحدث عنه الوزير؛ فقد رأينا الصعوبات والمشاكل التي واجهت الإستعداد للموسم الزراعي الصيفي الحالي ولاتزال؛ وذلك بسبب تقاعس وزارة المالية ووزارة الزراعة عن إيجاد الحلول التي يمكن أن تؤدي لمعالجة مشاكل القطاع الزراعي والنهوض به، وآخر تلك العقبات معضلة التمويل الذي لا يزال يهدد بفشل الموسم.
ومعلوم أن وزارة المالية تخلت تماما منذ الموسم الماضي عن دعمها لمدخلات الإنتاج من جازولين ومبيدات وأسمدة وغيرها؛ إذ أكد الوزير الحالي حينها بأن الدعم سيقدم للمنتجين في نهاية الموسم بدلا من دعم الجازولين تفاديا لذهاب الدعم “لسماسرة السوق الأسود” كما زعمت الوزارة؛ لكنها لم تفي بما وعدت به وتكبد المزارعون على إثر ذلك خسائر كبيرة دفعت ببعضهم لتقليص مساحته الزراعية هذا العام، كما دفعت البعض الآخر للعزوف عن النشاط.
فإذا كان هذا هو واقع الحال؛ فكيف سينهض القطاع الزراعي ليصبح السودان في مقدمة الدول في الأمن الغذائي؟!!

لقد ظللنا نسمع منذ أمد طويل عن الإمكانيات والموارد التي يمتلكها السودان في المجال الزراعي تحديدا، ولكن لم نرى إستراتيجيات أوخطط واضحة ومحددة لاستغلال هذه الموارد والإستفادة منها بالشكل الذي يجعل منها مصدرا لتوفير العملة الأجنبية للبلاد .. وإنما إنحصر الأمر ولا يزال في حيز التصريحات “التطمينية” والمتفائلة عن ما تمتلكه البلاد من موارد وخيرات غير مستغلة.

أيضا تحدث الوزير في الندوة المذكورة عن إتفاق مع الدول العربية لمخاطبة البنك الدولي لتمويل الغذاء بأسعار مجزية ليتم استيراد الغذاء والمدخلات بشكل جماعي؛ إلا أن الجميع يعلم توقف علاقة السودان مع البنك الدولي منذ أن علق البنك برامجه ومشروعاته مع السودان في أعقاب ما حدث من إجراءات في أكتوبر الماضي؛ علاوة على ذلك فإن الدول العربية ماضية في تطوير قطاعاتها الزراعية دون الحاجة لتدخل البنك الدولي أو مساعدته.

أما ما ذكره الوزير عن خطط لدعم صغار المستثمرين والمنتجين ودعم المدخلات لزيادة الإنتاج، فذلك حديث يكذبه الواقع وهو مجرد حديث للإعلام؛ ناهيك عن أنه لم يوضح ماهية هذه الخطط ومتى سترى النور!!

كان حري بالوزير أن يتحدث للمجتمعين في هذه الندوة العلمية المتخصصة عن إنجازات وزارته خلال الفترة الماضية وجهودها مع الوزارات المختصة لتأهيل القطاعات الإقتصادية المختلفة ومن ضمنها القطاع الزراعي المنهار؛ وأن يوضح الخطط التي تعمل عليها وزارته مع الجهات المعنية.

أما فيما يخص دعوته للخبراء والعلماء لتوفير بيانات دقيقة عن التربة الزراعية والمياه سعيا لترتيب الأولويات الزراعية وتحسين الإنتاج؛ فإن كل ذلك ينبغي أن يتم ضمن خطط شاملة لدراسة مشاكل القطاع الزراعي تشرف عليها وزارة المالية مع الجهات المعنية الأخرى ومن ضمنها وزارة الزراعة.

هنالك حاجة ماسة لأن تقترن أقوال المسؤولين لدينا بأفعالهم، فقد سئم هذا الشعب وشبع من الكلام والوعود والشرح المكرر والمعاد لما تعانيه البلاد من تحديات ومشاكل وفشل .. فإما أن يطرح المسؤولون خططا وحلولا جادة ومقنعة لمعالجة المشاكل القائمة في كل القطاعات الإقتصادية وغيرها .. أو فليصمتوا.

ختاما؛ يجب أن تتغير طريقة المسؤولين من الحديث بإسهاب عن المشاكل والأزمات الحياتية؛ وضرورة أن يتبنى هؤلاء المسؤولين “مسار” الخطط والحلول والإنجازات والعمل في صمت؛ لأن تأدية المسؤول لواجب ومهام وظيفته لا يعتبر إنجازا يجب التحدث عنه في وسائل الإعلام.🔹
[email protected]



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى