الإقتصاد

البنزين الملوث.. أين الحقيقة؟


الخرطوم: نجلاء عباس

في مطلع مايو الجاري شكا مئات السودانيين في العاصمة الخرطوم من أعطال أصابت محركات سياراتهم، بعد تعبئتها بالبنزين من محطات بعينها اتضح لاحقاً انه فاسد وجرى توزيعه على عدد من محطات الخدمة.
وفي العاشر من مايو الجاري قالت جمعية حماية المستهلك إنها قيدت دعوى قضائية ضد محطات وقود وزعت بنزيناً فاسداً في أيام 30 أبريل و1 و2 مايو الجاري، وبدوره اقر وزير الطاقة والنفط محمد عبد الله باكتشاف سبع محطات وقود وزعت بنزيناً غير مطابق للمواصفات تم توزيعه عبر اثنتين من الشركات، معلناً فتح تحقيق في الواقعة.
وأشار عبد الله إلى أن الوزارة أوقفت توزيع البنزين غير المطابق في أول إجراء لها قبل أن تأخذ عينات من المستودع ومحطات التوزيع لفحصها ومعرفة الأسباب.
وتوقع المسؤول أن يكون سبب فساد الوقود وجود شوائب في المستودع أو المحطات نتيجة لعدم الصيانة أو أثناء الترحيل، وذلك بعد التأكد من مطابقة الوقود للمواصفات في الفحص المعملي الذي جرى ببورتسودان ومصفاة الخرطوم.
وبحسب وزير الطاقة والنفط اكد تطبيق وزارته كافة الاجراءات المعملية التى تؤمن الامداد السليم للطاقة، موضحاً ان ما رشح من معلومات حول توزيع بعض المحطات بنزيناً غير مطابق للمواصفات، وان لجنة التحقيق باشرت أعمالها وأودعت عينات من بعض المستودعات ومحطات الخدمة للفحص، مشيراً الى كشف الحقائق وتمليك الرأى العام المعلومات كاملة. واستبعد أن تكون باخرة وقود قد دخلت وهي غير مطابقة للمواصفات بدليل قلة الكميات وسلامة جل المحطات، وقال إن الكميات محل الشكوى تم إيقافها فوراً كاجراء وقائي، ومن ثم تم تشكيل اللجنة للتقصي ومعرفة مرحلة التلوث محل الشكوى.
ويشير مدير عام سابق للامدادات بالمؤسسة السودانية للنفط جمال حسن عبد الله الى انه كثر الحديث في الايام السابقة عن وجود بنزين ملوث وغير مطابق للمواصفات في بعض محطات الخدمة في ولاية الخرطوم، وقد أحدث أضراراً في العربات، وقال لـ (الانتباهة) انه بالصدفة التقى بأحد تجار الاسبيرات وأفاد بأنه في يوم واحد حضر اليه أكثر من خمسة عشر شخصاً لشراء قلب طلمبة البنزين، وتأكد من ان هناك بالفعل مشكلة في البنزين أدت إلي اعطال في طلمبات البنزين، وتساءل قائلاً: (هل بالفعل هناك بنزين مخلوط وغير مطابق للمواصفات؟ واذا كانت الاجابة بنعم فهل هذا البنزين مستورد ام من المصفاة؟ واين تم تخزينه وبماذا تم ترحيله؟). وقال: (في حال افتراض أنه مستورد يجب معرفة كيف يتم إدخاله، فهناك شهادة مواصفات تكون مع الناقلة ويشترط ان تكون مطابقة للمواصفات القياسية السودانية، وبعد دخول الناقلة تؤخذ عينة منها بحضور مناديب المؤسسة والشركة الموردة والناقلة، ويتم فحصها في معمل مصفاة بورتسودان، واذا كانت النتيجة غير مطابقة يتم ابعاد الناقلة فوراً الا اذا كانت هناك توجيهات عليا مكتوبة، وفي هذه الحالة تتحمل الجهة العليا اي تبعات لهذه التوجيهات، وهذا الأمر يكون ظاهراً ومكشوفاً لكل العاملين المعنيين في المؤسسة في الخرطوم وبورتسودان والشركات، ولذلك في الغالب تتجنب الجهات العليا المغامرة لأنها قد تدفع الثمن بفقدانها مناصبها اذا وصل الموضوع للجهات الأعلى منها)، ولذلك استبعد جمال ان تكون دخلت باخرة عن طريق بورتسودان غير مطابقة للمواصفات، وكذلك هل هذه الكميات بعد استلامها في بورتسودان تم شحنها كلها الى الخرطوم ولم تستهلك منها اية كمية في بورتسودان، لانه لم نسمع بهذا الأمر في بورتسودان ولا في مدن اخرى. وهل يمكن شحن كل الكمية للخرطوم لان كل الكميات يتم استلامها في المستودعات الاستراتيجية ومستودعات الشركات أحياناً للاستهلاك المحلي او للشحن بواسطة الناقلات للمدن والقطاعات الاستهلاكية الاخرى.
أما الفرضية الثانية بحسب مدير التوزيع السابق أن هذا البنزين مطابق للمواصفات، وتم تخزينه في مستودعات في بورتسودان او الخرطوم تحتوى على كميات ملوثة وغير مطابقة للمواصفات، ولذلك اختلط بها وأصبح غير مطابق للمواصفات، فهذا لا يتم في بورتسودان حيث لا تخزن كميات لفترات طويلة لأنه يتم ترحيلها للخرطوم اولاً بأول، واذا مكثت لفترة طويلة دون الترحيل او طرحها للاستهلاك تتم إعادة فحصها مرة أخرى للتأكد من احتفاظها بالمواصفات القياسية المطلوبة، وفي مستودعات المؤسسة في الشجرة يتم أخذ العينات من المنتج ويتم فحصها قبل التدفيع لمستودعات الشركات وهي محدودة اربع شركات فقط، وواحدة منها كانت لا تتسلم بنزيناً، فهل يمكن أن تكون مستودعات الشركات فيها بنزين مخزن لفترة طويلة واختلط مع الكميات المستلمة من خط الانابيب وتغيرت مواصفاتها؟ وهل يمكن لشركة ان تخزن كميات في مستودعاتها لفترات طويلة وتجميد مبالغ كبيرة قيمة البنزين دون الاستفادة منها.
وطالب بالتأكد من اذا كان هناك تنك في الشركات متوقف وخارج الخدمة وقد تكون فيه رواسب وشوائب ودفعت فيه كميات من البنزين، وهذا سيؤثر في المواصفات. والفرضية الأخيرة هي ترحيله بواسطة الخط او بالناقلات، فكلها بالتقريب ترحل للخرطوم بواسطة خط الانابيب بمعدل الفي متر مكعب في اليوم The line containt (سبعة وعشرون الف متر مكعب)، وهذا يعني عند بدء التدفيع، فاول كمية منها تصل الخرطوم بعد ثلاثة عشر يوماً، بما أنه تم اكتشاف البنزين يوم ٣٠ أبريل. واذا كانت الكمية وصلت عبر خط الانابيب فيجب أن يكون بدء شحنها قبل خمسة عشر يوماً، وبعدها تدفع للشركات قبل يوم من توزيعها لمحطات الخدمة، وقد تكون الكميات اذا رحلت بالناقلات للشجرة ان تكون هذه الناقلات رحلت فيرنس او مولاص من قبل ولم تنظف بصورة جيدة.
وأوضح ان الكميات المنتجة في مصفاة الخرطوم تراجع مواصفاتها ولا يمكن ان تسلم للمؤسسة اذا كانت غير مطابقة للمواصفات، ولذلك استبعد أن تكون هذه الكميات من مصفاة الخرطوم.
وجزم بأن التحقيق في هذا الموضوع سهل جداً، لأن هناك محطات بعينها وجد فيها البنزين مثار الجدل يمكن تتبعها ومعرفة الحقيقة والمستودعات التي شحنت منها، وذلك لا يحتاج الأمر لفترة طويلة، لان الخطوات واضحة ولا يرون اي سبب للتأخير.
الشينة منكورة
واتهمت مجموعة شركات خاصة تعمل في استيراد البترول ما سمتها (مافيا النفط) بالسعي الى تشويه سمعتها وإخراجها من سوق استيراد البترول بإطلاق الشائعات حول استيراد شركة خاصة بنزيناً ملوثاً، وأكدت أن الشركات الخاصة تخضع للرقابة والتدقيق من قبل الجهات الرسمية، واوضحت ان تلك الشائعات القصد منها الكيد التجاري ولا صحة لها.
وقالت مجموعة الشركات الخاصة العاملة في استيراد البترول في تعميم صحفي، ان مافيا النفط سعت بطرق أخرى لإخراجها من السوق بغرض احتكار السلعة عقب صدور قرار تحرير المحروقات، ولفتت الى ان عدداً من الشركات الاخرى خاطبت وزارة النفط في وقت سابق بداية العام لإيقاف الشركات الخاصة من الاستيراد، الامر الذي رفضته الوزارة، واشارت الى ان هناك لوبياً يعمل على عرقلة عملها وزيادة الضغوط عليها لتخرج من السوق، وابانت ان هذه الشائعات جزء من حملة منظمة لإخراج الشركات الخاصة من السوق.
وكشفت ان شحناتها تخضع للفحص والرقابة من بلد الاستيراد وفي الميناء قبل التفريغ وفي معامل المواصفات والمقاييس، واية شحنة غير مطابقة للمواصفات يتم ارجاعها، واوضح التعميم ان التنافس في مجال البترول من شأنه اسقرار الاسعار وتوفير السلعة، لافتة الى ان البلاد استوردت خلال العام الماضي مليوناً و(500) الف طن من المحروقات بما يعادل (50%) من الاستهلاك الكلي للبلاد.
وقالت شركات استيراد البترول ان البعض يريد ارجاع البلاد للمربع الاول واحتكار السلعة والتحكم في اسعارها، لذا يلجأون الى طرق ملتوية للنيل من المنافسين، مؤكدة سلامة منتوجاتها التي تستوردها، وقالت ان المعامل الداخلية والخارجية هي التي تحدد جودة المنتج.
فيما قالت شركة ديانا للوقود لـ (الانتباهة) ان مشكلة عدم مطابقة الوقود للمواصفات لم تحدث في شركتهم وانما سمعت بها في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن لم تصل اليهم شكاوى خاصة ان شركتها تأخذ حصة الوقود المحلي من المؤسسة وليس المستورد، فيما اشار موظف باحدى شركات الاستيراد الى ان الوقود المستورد لا يتم تفريغه الا بعد اخذ عينة منه للمعامل في كل من بورتسودان والجيلي، ليتم فحصها والتأكد من جودتها ومطابقتها للمواصفات، وبعد ذلك يسمح للباخرة بالدخول. وقال لـ (الانتباهة) ان معظم الشركات المستوردة خاصة مما يصعب التجاوز وتمرير مثل هذه المخالفات. واضاف ان التأكد من صحة عدم التطابق شيء صعب ويحتاج الى تدقيق ومراقبة، وقال: (اذا تم دخول وقود مخالف للمواصفات فهي مخاطرة وعواقبها وخيمة على الشركة التي مررته).
من المسؤول؟
وأعلنت الحكومة مساء الثامن من يونيو العام الماضي تحرير أسعار الوقود بشكل كامل، على أن تتولى الشركات المستوردة للمشتقات النفطية تحديد السعر من حين إلى آخر.
وأصدرت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي قراراً يقضي بإلغاء أسعار الوقود كافة (البنزين والجازولين)، وذلك في إطار ما سمته سياسة الدولة الرامية لإصلاح الاقتصاد الوطني وتأسيس بنية تمكن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص من التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية.
وأوضح بيان حكومي أن سياسة تحرير الوقود ستسهم في إزالة العديد من التشوهات في الاقتصاد، حيث تنفق الدولة أكثر من مليار دولار سنوياً دعماً للمحروقات.
ويقول اداري اسبق بميناء الخير فضل حجب اسمه: (ان الاجراءات في السابق كانت مشددة وتسير بنمط متسلسل بداية بمسؤولية وزارة الطاقة والمواصفات والمقاييس، اما بعد تحرير الوقود فقد استفردت الشركات الخاصة واصبحت تبحث عن فرص المنافسة والبيع بسعر افضل فيما بينها، مما زاد الشكاوى) واضاف المصدر لـ (الانتباهة): (ان المسؤولية ليست على الميناء وانما على الجهات الرقابية، وعلى الميناء فقط الاهتمام بجانب السلامة والا يكون الوقود سريع الاشتعال تجنباً لحرق المربط، وان يكون عمر الباخرة صغيراً، وغيرها من الجوانب التي تتعلق بالميناء، اما الجودة والتطابق فلها جهات يفترض ان تهتم بها وتتأكد منها تجنباً لشكاوى المواطنين)، وشدد الاداري على ضرورة ان توفر كل شركة مختبراً صغيراً وسريعاً لتحليل جودة الوقود لضمان السلعة التي ستنشرها في السوق للمواطن، كما ان هناك عدداً كبيراً من الشركات المنافسة، مما يتطلب اهمية سلامة وجودة السلعة حتى لا تخرج الشركة المتجاوزة من سوق المنافسة.
اما المحلل الاقتصادي د. عادل عبد المنعم فقد قال ان التحرير الكامل للسلع جعل الشركات الخاصة تتصدر المهام وتخرج المسؤولية الحكومية من دخول هذه السلع لاسيما الوقود. وجزم عادل في حديثه لـ (الانتباهة) بعدم الرقابة من قبل الجهات الحكومية على القطاع الخاص، مما جعل بعض الشركات المستوردة للبترول تدخل وقوداً رخيصاً وغير مطابق للمواصفات باسعار اقل وارباح اكبر، وقال: (يمكن ان نقول عنهم انهم لم ينتبهوا للضوابط المفروضة، ومع ذلك لا يمنع القطاع الخاص من ان يسير في الطريق الصحيح والسليم والبعد عن هذه التجاوزات التي تضر كثيراً باقتصاد البلاد وتعطل الماكينات والسيارات وتدخل المواطنين في تكاليف اكبر وخسائر عدة)، ولفت الى خطورة هذه القضية التي تدمر الاقتصاد اكثر مما هو عليه، واقترح عبد المنعم انشاء شركة حكومية تسيطر على استيراد الوقود بالضوابط والاجراءات الصحيحة، ومن ثم توزع الى بقية الشركات الخاصة بسعر التحرير، مشيراً الى الفائدة الكبرى التي ستجنيها البلاد، وقال: (الأمر لا يتعلق بالوقود فحسب، بل تكون هذه الشركة هي المسؤولة عن دخول الوقود والقمح والدواء لضمان السلامة والجودة، باعتبار ان هذه السلع غير قابلة للغش ولا تتحمل التجاوزات فيها، كما ان رفع الدعم والتحرير الكلي للسلع لا يمنع الحكومة من السيطرة عليها، ويفترض أن يمول بنك السودان المركزي دخول هذه السلع، حتى تصل الى قنوات الشركات الخاصة وتعم الفائدة وتحقق الحكومة ايرادات ضخمة ترفع بها اقتصاد البلاد وتحارب المتجاوزين المستغلين الطرق غير المشروعة لدخول هذه السلع).

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف البنزين الملوث.. أين الحقيقة؟





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى