أخبار السودان

الاستقلال.. تفاصيل الحراك الوطني قبل رفع العلم


تقرير: صلاح الدين عبد الحفيظ مالك

بتاريخ 2/ سبتمبر 1898م كان البدايات نحو الاستعمار الحقيقي. وبدأت الحكومة الاستعمارية في توطيد دعائمها لجعل السودان واحدة من اكبر المستعمرات البريطانية ومخزناً للمال والخام من ثروات البلاد، ففي اولى خطواتها لانجاح مسعاها بدأت وبصورة جادة وسريعة في بناء اطول خطوط السكك الحديدية في القارة الافريقية، مع البدء في تشييد ميناء بورتسودان وانشاء مزرعة تجريبية بمنطقة طابت لزراعة القطن.
وما ان حل عام 1912م الا وكانت كل المشروعات التي خطط لها قد وصلت مرحلة العمل الفعلي، ليبدأ فصل جديد من الإدارة البريطانية في السودان، وذلك بتخريج أول دفعة من خريجي كلية غردون التذكارية للعمل في مرافق الدولة.
ولم يقف السودانيون مكتوفي الأيدي أمام هذه السياسة الاستعمارية، فكانت هناك ثورات وثورات وصلت لمدى الالتحام المسلح مع المستعمر.
واولى هذه الثورات كانت ثورة الامام عبد القادر ود حبوبة بالحلاويين، وذلك حين تحدى الإدارة الاستعمارية وشرع وبرفقته اتباع يقدر عددهم بسبعين من الانصار في قراءة راتب الامام المهدي، وهو ما أزعج السلطات الاستعمارية التي كانت حينها تخشى مثل تلك النشاطات الدينية اخماداً لروح الثورة، وهو ما رفضه ود حبوبة بتمرده على السلطات التي جردت عليه حملة عسكرية كان مصيرها القتل بواسطة ود حبوبة وأنصاره، ونتج عن ذلك مقتل مفتش المركز مستر مونكريف.
وكان انزعاج السلطات البريطانية سبباً في إرسال حملة عسكرية للقبض على ود حبوبة الذي القي القبض عليه، وتم إعدامه كأول شهداء الوطن في معركة الاستقلال.
وتلى ذلك ان قام في جبال النوبة تمرد آخر ضد السلطات قاده الفكي علي الميراوي احتجاجاً على ضريبة الدقنية التي كانت تفرض على أهالي الجبال كعمل دون مقابل، وهو ما عرف بالسخرة، وهي الثورة التي استمرت خمس سنوات، وجعلت المستعمر يغير نهجه في التعامل مع الأهالي وذلك بعد مقتل الفكي علي الميراوي.
وبتاريخ 12 فبراير 1920م اسس عدد من الشباب من خريجي الكلية القديمة جمعية الاتحاد السوداني التي اعتمدت على المنشورات السياسية ضد المستعمر، وهي الوسيلة التي جعلت مخابرات المستعمر تضيق ذرعاً بهذا النشاط، فقامت باعتقال عدد من أعضائها وهم سليمان كشة ومحيي الدين جمال ابو سيف وعبيد حاج الأمين.
ولم تعمر جمعية الاتحاد السوداني كثيراً، اذ قام الضابط بالجيش السوداني علي عبد اللطيف وبرفقته الضابطان بالجيش المصري محمد نجيب ومحمد أبو الفتح بتأسيس جمعية اللواء الابيض التي في خلال عامين من تأسيسها قامت باربع تحركات ثورية كانت الأولى التحريض على التظاهر ضد الاستعمار عن طريق المنشورات السياسية السرية، وثانيها كانت المقالات السياسية بالصحف، وثالثها كانت رفض التعامل مع المستعمر في المكاتب الحكومية والأسواق والشوارع، ورابعها كانت الثورة المسلحة التي قادها البطل عبد الفضيل الماظ.
وانتبهت السلطات لنشاط جمعية اللواء الابيض حين كتب الضابط علي عبد اللطيف مقالاً وارسله لصحيفة (الحضارة) التي لم تنشر المقال خوفاً من غضبة المستعمر، وكانت عيون المستعمر ترسل ما استجد من نشاط سياسي، فتم اعتقال علي عبد اللطيف الذي حكم عليه بالسجن والنفي الى مصر.
اما التحريض على عدم التعامل مع البريطانيين فقد جعل حملة الاعتقالات تستمر ضد أعضاء الجمعية، فكان ان اعتقل كل من صالح عبد القادر وعبيد حاج الأمين وصالح باخريبة والحسن ضبعة وحكم عليهم بالسجن لفترات متفاوتة، وكان نصيب البطل عبيد حاج الأمين السجن والنفي الي واو بجنوب السودان، وبقي بالسجن حتى توفي في عام 1932م.
وفي جانب الثورة المسلحة فقد شكلت وفاة عبد الخالق حسن مأمور أم درمان في 22 يونيو 1924م معلماً واضحاً للثورة ضد المستعمر، فقد خرجت كل أم درمان لتشييع المأمور المصري، وحينها هتف حاج الشيخ عمر: (يسقط الاستعمار.. تحيا مصر)، فاصبحت العاصمة طوال ستة أشهر في نشاط مدوٍ ضد الوجود البريطاني.
وبتاريخ 18 نوفمبر 1924م اغتيل السير لي استاك حاكم عام السودان بالقاهرة أثناء إجازته، وعلى الفور تم توجيه الاتهام للعناصر الثورية السودانية، زائداً صدور قرار من رئيس الوزراء البريطاني بخروج الجيش المصري من السودان خلال اربع وعشرين ساعة.
وعلى الفور كانت القوات السودانية في حالة استعداد لمنع خروج الجيش المصري من السودان.
وتحركت مجموعة من ضباط عسكر قوة الجيش من أم درمان متجهة نحو الخرطوم بكامل عتادها العسكري لمنع تنفيذ الأمر البريطاني بخروج الجيش المصري.
وفي شارع النيل وجوار كوبري النيل الأزرق دارت ملحمة بطولية قادها عبد الفضيل الماظ وبرفقته الضباط محمد سليمان ومحمد فضل الله الشناوي وثابت عبد الرحيم وعلي البنا، وكان نتيجتها ان لقي أربعون من الضباط والجنود البريطانيين مصرعهم، مع عدم وجود وسيلة لإيقاف نيران مدفع البطل عبد الفضيل الماظ سوى هدم المستشفى الذي تحصن به بواسطة مدافع الفايكرز وهو ما كان سبباً في استشهاد البطل عبد الفضيل الماظ.
وشكلت المحكمة العسكرية التي قضت باعدام ثابت عبد الرحيم ومحمد سليمان ومحمد فضل الله الشناوي مع تعديل حكم الاعدام لعلي البنا الذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات.
ومنذ نوفمبر 1924م وحتى فبراير 1938م كانت الحياة في السودان يسودها الكبت والإرهاب بفضل تخوف السلطات البريطانية من تكرار أحداث نوفمبر 1924م، ولم تنتج تلك السنوات حراكاً ضد المستعمر الا في حالة واحدة هي تمرد فرقة الهجانة بتلودي التي تم قمعها في الحال، لتأتي الحرب العالمية الثانية التي جعلت الإدارة البريطانية تستعد لها عبر اجراءات اقتصادية كان من ضمنها تخفيض مرتبات الموظفين في الدولة من ثمانية جنيهات لخمسة جنيهات، وعلى الفور تنادي الطلاب لتنفيذ اضراب عن الدراسة، وهو ما كان بداية الوعي الطلابي وقيادتهم حركة التنوير في البلاد فيما بعد. ويعتبر إضراب طلاب كلية غردون الإضراب الذي جعل عدداً من التحركات السياسية تتم فيما بعد.
وبتاريخ 18 فبراير 1938م تم تأسيس مؤتمر الخريجين الذي كان من ضمن اهدافه المعلنة العمل العام في حقلي التعليم والتنوير الاجتماعي، وظل المؤتمر حتى فبراير 1940م في وجود دائم في العمل العام تشييداً للمدارس وإقامة لليالي الثقافية بنادي الخريجين.
وفي فبراير من عام 1940م زار على ماهر باشا السودان وكان أن احتفل به المؤتمر، وهو ما شكل بداية جديدة للعمل السياسي بالبلاد، إذ تقدم مؤتمر الخريجين بمذكرة لعلي ماهر باشا تطالب الحكومة المصرية بأن تكون وصية على السودان، وان تحدد سقفاً زمنياً لنيل السودان استقلاله.
وقابل المستعمر هذه المذكرة بغضب بائن، فطالت الاعتقالات عدداً من الخريجين الذين انقسموا حيال المذكرة التي سلمت لعلي ماهر، ففريق منهم بدأ في تكوين جسم سياسي تحت مسمى (حزب الأشقاء) وهو جسم سياسي يدين بالولاء لمصر، وفريق آخر كون حزب الأمة وهو قريب الصلة من بريطانيا. وما سبق جعل مؤتمر الخريجين يتناثر داخل الحزبين.
وشكل تأسيس الجمعية التشريعية ــ وهي برلمان بريطاني بعضوية سودانية صورية ــ بداية ثورة حقيقية كان قوامها الطلاب والموظفون، وهو ما ادى لرفضها في كل أنحاء البلاد. وسقط شهداء في عطبرة بتاريخ 27 نوفمبر 1948م وهم عبد الوهاب حسن مالك وقرشي الطيب ومحمد أحمد دياب.
وفي عام 1952م بتاريخ 22 يوليو استلم الجيش المصرى السلطة من الملك فاروق، فكان من بدايات استثمار هذه الثورة تأييدها من قبل حزب الأشقاء، لتعلن بتاريخ 22 فبراير 1953 اتفاقية السودان التي نصت على منحه حق تقرير مصيره واجراء الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 1953م مع الاسراع في تنفيذ سودنة الوظائف.
إعلان الاستقلال من داخل البرلمان
وبتاريخ 19 ديسمبر 1955م اعلن الزعيم إسماعيل الازهري الاستقلال من داخل البرلمان، ليصبح السودان دولة مستقلة ذات سيادة على اراضيها.

1669117478_300_العدل-والمساواة-لسنا-طرفا-في-الحوار-السري-والجهري-بين-المكون.webp الاستقلال.. تفاصيل الحراك الوطني قبل رفع العلم





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى