أخبار السودان

الأزمة السياسية.. معارك (طواحين الهواء)


الأزمة السياسية.. معارك (طواحين الهواء)
الانتباهة أون لاين

تقرير: محمد جمال قندول

ثمة متغيرات جديدة تشهدها الساحة السياسية ترسم وقائع مشهد جديد بدأ يتخلق على ضوء الاحداث الحافلة خلال الايام الماضية بدءاً بانطلاق المرحلة الثانية للاتفاق النهائي بين الفرقاء السودانيين، وهي خطوة خلطت اوراق الملعب حيث تباينت ردود الافعال حيالها.

الكتلة الديمقراطية أعلنت التصعيد الشامل رفضاً لانطلاق المرحلة الثانية والاخيرة في العملية السياسية التي يتفاوض فيها المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير مجموعة المجلس المركزي برفقة احزاب الشعبي والاتحادي الاصل وجماعة انصار السنة، وذهبت مبادرة نداء اهل السودان في ذات الاتجاه بتهديدهم باغلاق الاقاليم ومحاربة الحل السياسي بالشارع.

مصير المبادرة المصرية

 وفي بدايات الاسبوع الماضي وعبر زيارة خاطفة لمدير المخابرات المصري عباس كامل، عرضت الادارة المصرية مقترحاً لحوار سوداني ــ سوداني برعاية مصرية، وسريعاً ما اضحت خطوات القاهرة صوب الملف السوداني حديث المجالس عن تداعياتها وتوقيتها، ولكن القوى الموقعة علي الاعلان السياسي رفضت الطرح المصري، فيما رحبت به الكتلة الديمقراطية وكيانات واحزاب اخرى.

ولم تمض ايام قليلة على المقترح المصري حتى دشنت الآلية الثلاثية المرحلة النهائية باحتفال ضم العسكريين والمدنيين بقاعة الصداقة، وخطوة انطلاق الشق الثاني في حد ذاتها كانت مثار تساؤلات، حيث ذهب مراقبون الى انها طبيعية وتأتي في سياق الميقات الزمني المحدد، ولكن آخرين اعتبروا التدشين بمثابة قطع طريق على تحركات القاهرة.

خطوة انطلاق المرحلة الثانية رسمت تساؤلات حول مصير المقترح المصري وهل قُبر قبل ان يبدأ ام انه سيمضي بمسار موازٍ للاطاري؟ ومما زاد الحيرة لقاء السفير المصري هاني صلاح مع رئيس مجلس السيادة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان، حيث طرح الاول مبادرة مصرية للتوصل إلى تسوية سياسية سريعة بحسب ما خرجت به الانباء.

وبحسب الخبر الرسمي الصادر عن مجلس السيادة فإن اللقاء الذي جمع الرئيس والسفير تطرق للمبادرة المصرية التي تهدف إلى تحقيق تسوية سياسية، وتم الاتفاق على أهمية توضيح عناصر المبادرة بصورة أكبر وأوسع للدوائر الرسمية والشعبية في المرحلة المقبلة.

ولكن الخبير والمحلل السياسي د. صلاح الدومة يرى ان المقترح المصري لن يمضي للامام لجهة ان القوى الغربية غير راغبة فيه، فضلاً عن ان الاحزاب السياسية لن ترضى به، معتبراً ان التحركات المصرية تهدف لمنع الوصول لحل سياسي لمصالحها بالهشاشة الامنية والسياسية والاقتصادية الموجودة في البلاد.

وعلى العكس فإن المحلل السياسي د. نصر الدين التجاني يرى ان فرص نجاح المبادرة المصرية كبيرة جداً باعتبار انها مرتبطة بدولة جارة وتجمعها بالخرطوم علاقات استراتيجية، كما ان للقاهرة نفوذاً اقليمياً ودولياً كبيراً، واستمرار السودان يمثل لها بعداً استراتيجياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالامن القومي المصري، وستسعى بكل ما تملك لتحقيق الامن والاستقرار في السودان، وهذا لن يتحقق الا بضمان تأييد واسع للحكومة القادمة من خلال توسيع قاعدة المشاركة.

سيناريو التصعيد

الكتلة الديمقراطية تبدو الغريم التقليدي للمجلس المركزي والاحزاب الموقعة معه على الاطاري، لجهة ان مكوناتها فاعلة في المشهد، حيث يحتوي تنظيمها على حركتي العدل والمساواة وحركة تحرير السودان بجانب الاتحادي الاصل ومكونات الشرق، ولكن المجلس المركزي ظل يؤكد باستمرار رفضه منهج التفاوض معهم مصنفاً حركتي جبريل ومناوي فقط بأنهما من يحق لهما الالتحاق، وهو ما عقد سير المباحثات غير المباشرة بين التحالفين.

وفور انطلاق المرحلة النهائية من العملية السياسية الجارية اعلنت قوى الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية تصعيدها الشامل ضد ما وصفته بالاقصاء الممنهج، كما اشارت لوقف المباحثات غير المباشرة مع المجلس المركزي التي نشطت خلال الايام الماضية لاصطحابهم في الاتفاق.

ولا يرى المحلل السياسي البروفيسور حسن الساعوري اي مسلك آخر سوى التصعيد لايقاف العملية السياسية النشطة لتشكيل حكومة مرتقبة حال وصلت الاطراف المعنية لاتفاق نهائي. ويقول الساعوري لــ (الانتباهة) ان الكتلة الديمقراطية قد تلجأ لاستخدام سلاح الشرق، وذلك لوجود مكونات لشرق البلاد بداخلها. ويذهب محدثي الى ان سياسة المجلس المركزي تحددها الاطراف من داخل الكتلة على غرار جبريل ومناوي، وتبرز انها مازالت تمارس مبدأ الاقصاء والرفض بلا معيار، ولكن الساعوري يعود ويقول ان سلاح الشارع لن يفلح في ايقاف الحل السياسي الجاري الا في حالة تصعيد جبريل ومناوي بعدم خروجهما من الحكومة متمسكين بما نص عليه اتفاق سلام جوبا.

فيما كشفت مصادر متطابقة ان هنالك اجتماعات جرت بين الكتلة الديمقراطية والآلية الثلاثية والمجلس المركزي في محاولة لاستيعاب مكونات الاولى عبر حوار لتقريب وجهات النظر بين الاطراف الثلاثة، وان الكتلة الديمقراطية تمسكت بلامحظاتها وتعديل الاعلان السياسي.

البعث والشيوعي

التحالف الجذري بزعامة الحزب الشيوعي فضل الابتعاد عن دائرة المشهد بمعطيات الحرية والتغيير المجلس المركزي، وظل متمسكاً باسقاط ما يصفونه بالانقلاب العسكري. ولا يبدو ان الشيوعي عازم على تغيير موقفهم رغم مد حبال الوصل من قبل المركزي بتأكيداتهم ان خانتي الشيوعي برفقة البعث شاغرتان، وحال رغبا في الانضمام فإن مقعديهما محفوظان.

البعث الذي افترق باحسان من تحالف المجلس المركزي بعد ثلاث سنوات ظل يشكل فيها ركيزة اساسية في الكتلة التي تشكلت لمجابهة نظام الانقاذ قبل فترة قصيرة من سقوطه، مازال بدوره متمترساً في خانة عدم قبول مسلك العملية السياسية بشكله الحالي.

ويقول القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي صديق تاور لــ (الانتباهة) انهم لن يغيروا موقفهم حال استمر الحل الجاري بشكله الحالي، مشيراً الى انهم قدموا مذكرة فيها اسباب تخلفهم عن ركب العملية السياسية قبل شهرين للمجلس المركزي، وتابع قائلاً: (ذكرنا لهم اننا نرفض منهج تجزئة العملية لشقين إطاري ثم نهائي المبني على مشروع دستور نقابة المحامين ومازال في طور المداولات والتعديل والاضافة والحذف، وبالتالي الاتفاق بالنسبة لنا مبني على اساس غير ثابت ومتماسك).

واضاف تاور ان الاطاري تحاشى ثوابت متعلقة بالثورة نفسها، كما ان لجنة تفكيك النظام ستستأنف بالغاء كل قراراتها المتعلقة بالتمكين وتضمين عملية تفكيك نظام الثلاثين من يونيو بشكل مائع، وهو ما يفتح الباب للالتفاف على العملية كلها ويفرغها من مضمونها الثوري، وأضاف قائلاً: (كما ان تسمية انقلاب 25 اكتوبر غُيرت، حيث ان الاطاري لم يسمه بالانقلاب، ولم يحمل البرهان مسؤولية قطع الطريق على التحول الديمقراطي، وما ترتب على ذلك من انتهاكات واستعادة فلول النظام البائد والغاء كل ما تم من قرارات لصالح التغيير والاصلاح المؤسسي، اضف الى ذلك وضعية المؤسسة العسكرية ضمن الفترة الانتقالية، حيث انه حتى الآن لم يتم اعتماد وضعية استثنائية بشكل واضح بأن هذه المؤسسة خاضعة للسلطة المدنية الانتقالية).

ولكن تاور اشار الى انهم لن يواجهوا العملية السياسية وانما سيجابهون الانقلاب بقوله: (معركتنا ليست مع القوى الموقعة على الاعلان وانما مع الانقلاب). واردف قائلاً: (سنسقط الانقلاب والاوراق الملتصقة به حتى لو كانت قوى الحرية والتغيير حال اصرت على المواصلة في العملية السياسية).

ويواصل القيادي بحزب البعث تاور قائلاً: (ان اغراق العملية السياسية بقوى ولافتات كثيرة جداً من شركاء النظام البائد وانصار الانقلاب واعداء التحول الديمقراطي مما جعل الحرية والتغيير تتحول لاقلية ضمن هذه البركة الواسعة من اعداء التحول الديمقراطي، هو واحد من اسباب الرفض)، مشيراً الى ان الشعبي كان شريكاً للانقاذ ويرفضون وجوده.

الإسلاميون.. خيارات المرحلة

الاسلاميون بدورهم يرفضون زمام المشهد السياسي برمته الحالية، خاصة المتغيرات التي طرأت بانطلاق المرحلة النهائية من الحوار بين الفرقاء السودانيين، وهو أمر يجعل الكثيرين يتساءلون عن مصيرهم، وهل سيلجأون للمواجهة ام التركيز على مساعيهم الرامية للانتخابات بالتركيز على مراجعة تجربتهم واعادة اكتشاف قواعدهم في المجتمع.

مراقبون يذهبون الى ان التيار الاسلامي قد يكون عرضة للمواجهة حال استمر نسق الحوار النهائي بشكله الحالي وحدث توافق بين الفرقاء يعيد لجنة التمكين للمشهد بذات النهج القديم، وهو أمر سيلجأ معه الاسلاميون لسلاح المواجهة بعدة خيارات منها توقعات بإغلاق الولايات باعتبارها تجربة نجحت في شرق السودان في مواجهة حكومة د. عبد الله حمدوك باستنادهم الى القواعد التي يتمتع بها الوطني في الولايات خاصة الادارات الاهلية وشرائح الشباب والطلاب والمرأة، فضلاً عن انشاء تحالفات سرية مع كيانات رافضة.

والمتابع لبيانات الحركة الاسلامية يجدها تمضي في خط منعزل عن الوطني ذراعها السياسي في فترة الحكم، حيث انها منذ ذهاب الانقاذ عكفت على الرجوع للمجتمع كما كانت قبل عشرات السنين، وعدم الدخول في مخاشنة او مواجهة مع النظام القائم بغض النظر عمن فيه، واعتمدت بشكل كبير على كشف اخطاء الحرية والتغيير، غير ان الوطني الذي يقوده المهندس ابراهيم محمود قد يمضي في بناء تحالفات، خاصة أن المؤشرات الحالية اثبتت انه من الصعوبة بمكان حكم السودان او التأثير فيه من خلال حزب واحد في مقبل السنوات الا عبر بناء تحالفات.

القيادي الاسلامي د. اسامة توفيق علق على معرض الطرح وقال لــ (الانتباهة): (ان خيار الاسلاميين سيكون واحداً لا ثاني له، وهو اسقاط العملية السياسية بشكلها الحالي، واي اتفاق يستبعد التيار الاسلامي لن يضمن فواتير النجاح)، وعزا ذلك لتغلغل هذا التيار شعبياً دون وجود من ينازعه، بجانب اصطفاف عدد من التحالفات الرافضة للاتفاق الجاري ومن ضمنها الكتلة الديمقراطية وآخرون.

وحذر توفيق من مغبة استمرار النهج الحالي بالتفاوض بين العسكريين والمجلس المركزي دون توسعة الاتفاق وتجريب المجرب، معتبراً ان حل الازمة السياسية يكمن في حوار شامل لا يستثني احداً.

The post الأزمة السياسية.. معارك (طواحين الهواء) appeared first on الانتباهة أون لاين written by Mona Abu Shuk .



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى