المقالات

ابراهيم الرشدي يكتب: حوار الدوحة مابين الفَلَس والتَّسمين


في البداية وبعد زعم المجلس العسكري الإنتقالي نيته في حوار جامع يُرسي دعائمَ دولة العدالة والمساواة وجلب السلام والاستقرار الذي افتقدته تشاد منذ استقلالها، استبشر الجميع خيراً ظنّاً منهم أن هذه هي الفرصة المواتية لجمع الصف ولَم الشمل إنهاءً للشتات الذي ألَمَّ بالنخب السياسية بعد تفجُّر شرارة ثورة فرولينا 1966م، الى وقتنا هذا.

هذا التفاؤل جاء بعد موت مرشال آل إتنو الذي تربّع على صدور الشعب وكَتَمَ انفاسه طيلَة العقود الثلاثة الماضية، فبموته ظن الكثير ان شمس الحرية والديمقراطية قد اشرقت وان حكمَ الأسرة الواحدة بدأ في الأفول.
لكن لسوء حظ شعبنا العاتِر استولَت مجموعة من أصحاب الرُّتَب المزوَّرة على السلطة في انقلاب ناعمٍ على الدستور وكأنما تَمَّ التخطيط له مُسبقاً وبِإحكامٍ شديد، وبدأت مرحلة جديدة بثوب جديد يلمعُ بريقه ليخدَعَ ناظره ليوقعه في فخ الحوارات الكاذبة والمصالحات الزائفة، فاستُحدِثَت وزارة جديدة بوزير جديد استبشر الناس به خيراً كونه شخصية وطنية نزيهة تحظى باحترام الكثير من المواطنين ويحمل ارثاً تاريخيا للنضال التشادي، فكُوِّنَت اللجان وابتُعِثَت الوفود للتبشير بالمصالحة والحوار بين المجلس العسكري الإنتقالي وجميع مكونات المعارضة بشقيها العسكري والسياسي بالخارج.
واستجابة لنداء السلام الذي ترعاه دوحة العروبة وما أدراكَ ما دوحة العروبة التي لها باع في فض النزاعات وإنهاء الحروب والخلافات، نقول ذلك ونحن مُستَدلين بمحادثات الدوحة بين الحركات الدارفورية وحكومة السودان، وإنهاء الخلافات بين الأشقاء في لبنان ثم طَي صفحة حربٍ استمرّت لعقدين من الزمن بين أقوى جيوش العالم ومجموعة ضعيفة كان سلاحها الإيمان الراسخ وقوّة العزيمة وثبات المبادئ وهي طالبان افغانستان التي هَزَمت أمريكا فجاءت مُهَرولة مستنجدة بقطر الخير فأنهت بحكمتها وحنكتها وخبرتها التفاوُضية الحرب وجلبت الإسقلال والسلام لأفغانستان .
وعلى غِرار هذا وذاك وبعد طلب تقدم به المجلس العسكري استضافت دوحة العروبة الحوار بين الطرفين وكانت وسيطا نزيها وضامنا لمخرجاته إذا ما توصل الطرفان الى اتفاق وتراضٍ لحل مشاكلهما.
لكن ياتُرَى هل المجلس العسكري صادقٌ في نواياه تجاه الحوار بالمعنى الحقيقي أم انه فقط يريد حصر المعارَضة وجمعها في صعيدٍ واحدٍ لينشُرَ سُمَّهُ وسَطَ أفرادها وهم في غرف فنادق الدوحة الفارهة وعن أيمانهم وشمائِلِهم ما لَذَّ وطابَ من مَأكَلٍ ومشربٍ .
ومن هنا بدأت القصة وبعد افتتاح الحوار في الثالث عشر من مارس الماضي، بدأ الهمز واللمز بين افراد من وفد المجلس وعدد من المعارضة مستخدمين في ذلك المعارِف والقَرابة تارةً وبالظرف السمين ووعدٍ بعربات فارهة وفِلَل شاهقة تارة أخرى، فبدأت اللهجة الحادة من المعارَضة تميل الى المرونة والتساهُل في المواقف حيث اختفت كثير من الشروط التي كانت طُرِحَت أو مُتَّفَق على طرحها في حوار الدوحة مثل :
– استقالة المجلس العسكري.
– استقالة أو إقالة الحكومة.
– حل البرلمان.
– عدم تمديد الفترة الانتقالية.
– عدم ترشح اعضاء المجلس في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية.
– مناقشة الوجود الفرنسي .
– تطبيق ثُنائية اللغة، الى غير ذالك من النقاط المهمة، ونتمنى الّا تسقط المطالبة بهيكلة القوات النظامية ومراجعة الإتفاقيّات الدولية، كما نرجو من الزملاء الإحتجاج رسميا للوسيط على فتح قواعد جديدة للقوات الفرنسية على الأراضي التشادية .
ودوحة العروبة لها كل الاحترام والتقدير قد اهتمّت بضيوفها أهَم ما اهتمام من المسكن والمَأكل والمشرَب كيف لا وهي بلد الكرم وحُسنَ الضيافة وحال لسانها يقول : كلوا واشربو من خير ما طبخنا لكم ونوموا على أحسن ما فرشنا لكم، ولكن اصبروا على الفَلَس الذي جِئتم به فلا مصروف لكم عندنا ولا نمنعكم من المبايَعَة بالثمن الذي تتفقون عليه مع المشتري ولكن انتبهوا فإن الأماكن مراقبةٌ فاقضوا أمرَكم بينكم في الظلام وأن يتم ذلك همساً وفُرادى غيرَ جماعات .
وعندنا المثل يقول : “حَوِّعْ كلبك يتبعك”، ولكن قطَر الخير قَلَبَت المثل فجعلته : “سَمِّن ضيفك يحترمك”.
شهران على الفَلَس والتَّسمين وربما تمتد الفترة الى أطوَل من ذلك حيث أن الامور مازالت ضبابية .
و إجابة على سؤالنا السابق هل المجلس صادق في نواياهُ تجاه الحوار الحقيقي ؟، في اعتقادي واتمنى أن أكونَ مُخطِئاً ان المجلس لم ينوِ سلاما حقيقيا يأتي بالمعارضة كي تقاسمه المناصب والرأي وتُفقِده كثيراً من هيمنته وسطوته على الدولة، وانما يريد حوارا تمثيليّاً يعطيه الشرعية لاستمراره في الحكم ويزيده تمكيناً على تمكين وذلك بشراء ضعاف النفوس وعديمي الضمير والمبادئ، ضِف إليهم المفلسون سياسيا وعسكريّا وما أكثرهم سواء في الداخل او الخارج وهم يعتقدون أن هذه هي الفرصة التي اذا ضاعت لا يمكن أن تُعَوّض.
أما الشرفاء اصحاب المواقف والمبادئ الثابتة لا تهُزهم تلك السخافات فهم يسمنون استعدادً لأيامٍ عِجاف تنتظرهم في الغابات وميادين النضال وهم يعلمون تماماً أن الحوار الحالي لا يُلَبِّي طموحاتهم كيف لا وتلك العصابة لا تَفهمُ إلا منطِق القوة، فلتأخذ هي الخُشْخُش غير مأسوف عليهم ولتترك لنا ما كان عليها صَلباً جَلَداً، وبين الفَلَس والتَّسمين للحديث بقيّة.
إبراهيم الراشدي
مسؤول العلاقات الخارجية للحركة الوطنية للتغيير MNC

1638177885_718_ارتفاع-اسعار-الذرة-باسواق-محاصيل-القضارف ابراهيم الرشدي يكتب: حوار الدوحة مابين الفَلَس والتَّسمين





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى