المقالات

إن أريد الا الاصلاح.. محجوب مدني محجوب | ما علاقة الفلسفة بالإسلام؟


إن أريد الا الاصلاح.. محجوب مدني محجوب | ما علاقة الفلسفة بالإسلام؟
الانتباهة أون لاين

هناك عمودان يقف عليهما كل مجال من مجالات النشاط البشري.
العمود الأول: المنتج.
العمود الثاني: الأدوات والآليات والمواد التي تصنع المنتج.
لن يخرج إطلاقا أي مجال من مجالات النشاط البشري من هذين العمودين.
فمجال الصيد مثلا، فإن منتجه هو السمك أما الأدوات التي تجعل هذا النشاط قائما، فهي شباك الصيد والسنارات وغيرها من الأدوات التي تخدم الصيد، فلا أحد يقول أن الصياد لا ينتج السمك كما لا أحد يقول أن الصياد يستطيع أن ينتج السمك بدون أدوات الصيد.
وهكذا كل مجال من مجالات النشاط الإنساني لا يمكن النظر إليه دون هذين العمودين.
فالمزارع له منتجه الذي لا يمكن أن يحصل عليه دون أدوات.
والصانع له منتجه الذي لا يمكن أن يحصل عليه دون أدوات.
والطبيب والمهندس والسباك والكهربائي وغيرها من مجالات النشاط البشري دون استثناء، فجميعها تنحصر بين منتجها وبين الأدوات التي تجعل هذا المنتج موجودا.
نأتي إلى صاحبتنا الفلسفة وهي التي كثر التندر بها لدرجة أنه لا أحد يأبه بها، وصارت كل ثرثرة وكل كلام خال من مضمون أو مجرد تنظير يقال عنه تفلسف.
فلا بأس أن يقال عن كل كلام فارغ تفلسف، فلتذهب الفلسفة إلى الجحيم.
ليس هذا الهم وليس هنا الإشكال.
وإنما الهم والإشكال في أن ثمة فراغ قائم لدرجة الإشفاق.
فراغ يعم العالم على جانبيه:
الغربي البعيد عن الإسلام.
والشرقي الغير مطبق للإسلام التطبيق الذي يجني معه ثمرته.
فجانب الغرب لم يصله النور الإلهي أو وصله خاطئا، وجانب الشرق يدرك هذا النور الإلهي، ولكنه لا يظهر هذا النور على حياته، فحياته بائسة أو على أقل تقدير متعطشة لهذا النور.
يظهر هذا التعطش من خلال تخبط هذا الشرق وتخلفه وذلته وهوانه، فهو لم يستطع أن يظهر عزه رغم توفر كل عناصر هذا العز لديه.
لم يستطع أن يعبر تعبيرا حقيقيا عن انتمائه لمعتقده وثقافته رغم توفر وإمكانية هذا التعبير.
كما لم يستطع أن يتقمص أي ثقافة من الثقافات المغايرة له. فهو ضائع تائه، فكما أنه عاجز عن أن يعبر عن هويته، فهو كذلك لم يستطع أن يمثل أي هوية من الهوايات الأخرى.
فقد أثبتت التجارب المجتمعية والعقدية والسياسية خلال العقود السابقة فشل المنطقة العربية من أن تتقمص الرداء الغربي بكل مجالاته.
فإذا أفسح المجال لكل من في الساحة في الإدلاء بأدواته من أجل أن يبحث وينقب لسد هذا الفراغ للوصول لهذا النور، ومن ثم يطبق في الشرق تطبيقا صحيحا ويصل إلى الغرب كما هو بنقائه وصفائه وروعته واضحا جليا غير محرف أو مشوه.
فليس هناك من سبب يمنع الفلسفة من أن تمارس هذا الحق بأن تدلي هي كذلك بدلوها في اكتشاف هذا النور أو المساهمة في اكتشافه.
وبما أن كل مجال له عمودان عمود خاص بمنتجه وعمود خاص بأدواته.
وحتى نبعد الفلسفة من أي صراع، فليكن منتج الفلسفة على مر عصورها صفرا، ولتكن  هذه الفلسفة لم تقدم من خلاله  أي خدمة للإنسانية بل فلتكن كل منتاجاتها مسمومة .
هذا على جانب المنتج.
فمن وجهة النظر هذه لن يكون لمنتج الفلسفة أي وجود في حل المعضلات الإنسانية.
وبالتالي سوف يتم طرح الفلسفة من خلال العمود الثاني عمود الأدوات، وذلك من عدة أوجه:
الأول: أن هذه الأدوات لا تتعارض مع تعاليم الإسلام.
الثاني: من حق أي مجال أن يساهم بما يراه محققا لملء الفراغ الذي يعاني منه العالم بشقيه المسلم وغير المسلم.
الثالث: تفرض هذه المشاركة والمساهمة نفسها من باب أن ثمة حل غائبا، فوجودها ليس ترفا أو تسلية.
من باب أن المشاركات الأخرى المطروحة ما زال معها الفراغ قائما الأمر الذي يوحي بالحوجة إلى مجال يسد هذا الفراغ.
هذه الأسباب التي جعلت من إبراز أدوات الفلسفة أمرا مشروعا ومطلوبا معا
فهو مشروع؛ لأن أدواته لا تخالف تعاليم الإسلام.
وهو مطلوب، فإن لم يكن مطلوبا في ذاته، فهو مطلوب كأمر يحتمه الفراغ الذي تعيشه البشرية في جميع أصقاع الدنيا.
فراغ فرضه إعجاب الشرق لحضارة غربية تائهة تبحث هي نفسها عن دليل.
فراغ فرضه عدم وصول الإسلام للغرب أو وصوله إليه مشوها محرفا.
هذا التشوه وهذا التحريف مقصود من أجل أن يبتعد عنه ويكرهه.
هذا التشوه والتحريف المقصود والذي تبذل فيه مجهودات ضخمة ليقين وعلم من يقومون بهذه الحملات أنه إذا وصل الإسلام إلى الغرب بصورته الصحيحة لاعتنقه الكثيرون بكل لهفة وشوق، ففيه كل الحلول التي يبحثون عنها.
فيه كل الحلول التي تمنعهم من الانتحار.
فيه كل الحلول التي تحول حياتهم إلى حياة ذات قيمة بعد أن أصبحت حياة يحتاج معها الإنسان أن يكون مغيبا طول الوقت لعدم وجود قيمة تجعله أن يكون واعيا.
فيه كل الحلول التي تجعل من نسلهم نسلا نظيفا طاهرا يبعد عنه الاختلاط والتلوث الذي يحدث بسبب عدم وجود ضابط يميز المحرم من غير المحرم.
فيه كل الحلول لتأسيس الأسرة التي تحفظ الأبناء التائهين وتحمي الشيوخ المهملين.
فيه كل الحلول التي تضبط العمل السياسي ليمنع النظم الديمقراطية من أن تتحول إلى وحش كاسر يأكل الشعوب باسم الدساتير الشرعية والحقوقية.
تأتي هنا الأدوات التي تتعلق بالمجال الفلسفي والتي تجعلها تساهم في إبداء حلها.
حل لا يقوم به مجال غيرها.
فبذات معنى اختصاص المجال الهندسي مثلا في كونه له أدوات خاصة به، فكذلك الفلسفة لها أدواتها الخاصة.
هنا أدوات ست لمجال الفلسفة من باب التوضيح لا من باب الحصر:
الأداة الأولى: قدرة الفلسفة على الأتيان بفكرة، فالبحث عن فكر إنساني يجعل هذا الإنسان بحيث يحمي نفسه من الاكتشافات والابتكارات الإلكترونية فبدلا من أن تكون وبالا عليه وذلك بنزع وإزالة كل الصفات الإنسانية من حفظ لحرمات الغير ومن استغلال طيب للوقت ومن عدم تأثير على الصحة ومن حيث تدعم هذه الاكتشافات والابتكارات التكنولوجية مسيرة الإنسان الإيجابية.
أفكار تحد من ظاهرة سيطرة المجرمين على العالم بحيث لا يستطيعون أن ينشروا ويروجوا لسمومهم سواء العقدية أو الأخلاقية أو الاقتصادية أو الصحية.
هذه الأفكار وما يشبهها من مصادات هي وليدة الفلسفة، فهي التي تستطيع أن تبتكر وتصنع الأفكار التي تخدم الإنسانية.
وهي الشعرة التي تفصل بين الاكتشافات الإنسانية التي تدمر البشرية وبين تلك الاكتشافات البشرية التي تخدم الإنسانية.
قد يقول قائل أن هذه الأفكار مهمة المتدين إلا أن المتدين دائما ما يقف في منطقة ظله مدافعا عنها شاعرا بها  وتغيب عنه منطقة غيره أما الفلسفة فهي تقف على المنطقتين ليس لأنها أفضل من المتدين ولكن لأنها الإنسان.
الإنسان بكل خيره وبكل شره.
بكل عناده وبكل سطوته.
بكل ضعفه وبكل تحديه.
بكل التزامه وبكل شهوته.
النشاط الثاني: الفلسفة لها القدرة على اكتشاف الأزمة وطرحها كما هي أي لها قدرة على التشخيص.
النشاط الثالث: الفلسفة لها قدرة على تحليل ما هو قائم، ولها القدرة على تحديد منهج ما ورصد مقدماته ونتائجه بطريقة بعيدة كل البعد عن العاطفة والتكهنات والتخمينات والظنيات.
النشاط الرابع: الفلسفة لها القدرة على تحديد الملامح العامة للمنهج القويم الذي يستطيع أن يعمل في اتجاهين: تجاه يزيل الأزمات وتجاه يحقق النجاحات.
النشاط الخامس: الفلسفة لها قدرة فائقة في صنع جسر بين ما هو قائم وبين ماهو قديم وبالتالي يمكن استخراج من خلال هذا الجسر نقاط الاتفاق بين القديم والحديث، ونقاط الاختلاف.
يمكن بواسطة هذا الجسر استخراج  ما يحتاجه الإنسان في كل مرحلة من مراحله التاريخية بحيث لا تستطيع أي طفرة إنسانية أن تخفي أو تزيل هذه الحوجة الإنسانية.
فإن كان الدين هو المركبة التي تقود البشرية، فإن الفلسفة بأدواتها هذه هي الرابط الذي يجمع بين هذه المركبة وبين ما تقوده المركبة على مر العصور.
كيف لا فالدين هو مجموعة حاجات الإنسان، وما الفلسفة إلا هذا الإنسان
النشاط السادس:
الفلسفة لها القدرة على النظر للأمور والقضايا نظرة كلية عامة هذه النظرة التي تخفي كل حل مؤقت.
تخفي كل حل مخدر.
تخفي كل حل زائف.
تخفي كل حل يعقد الأزمة لا ينهيها.
بهذه الأدوات وغيرها من أدوات الفلسفة يمكن أن تشارك الفلسفة في حل المعضل الإنساني.
ويمكن أن يكون لها دور فعال و حيوي في حل هذا المعضل الإنساني الذي تسيطر عليه آلة الحرب أكثر من آلة السلم.
تسيطر عليه آلة المرض أكثر من آلة الصحة.
تسيطر عليه آلة الفسق والانحلال أكثر من آلة الالتزام والأدب.
تسيطر عليه آلة انعدام الضمير والأنانية أكثر من آلة الضمير والإخاء.
بل هي الأكفأ والأنسب لتحديد قدرات هذا العقل الإنساني بحيث تعمل على كشف إمكانياته وقدراته وبالتالي تعمل على توضيح وظيفته وتوضيح المحيط الذي يخص نشاطه.
دعوا أدوات الفلسفة أن تدلي بدلوها، وأبعدوا عنها هذه الحرب الموجهة ضدها عبر مر التاريخ.
هذه المحاربة التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون مجرد صدفة.
دعوها تساهم في حل المشكل الإنساني، فإن لم تكن هذه المشاركة من باب الاقتناع بها، فلتكن من باب الحق.
وإن خجلتم أو كرهتم  اسمها، فلا بأس من أن تطلقوا على أدواتها أي اسم، فليس المقصود اسمها، وإنما المقصود أدواتها،
وما تحققه هذه الأدوات من أعمال ترسم الطريق مع غيرها من الأدوات لمسيرة الإنسان في هذه الفانية..
ربط الفلسفة بالدين دعوة للجميع:
* فإن كان من يرفضها ليس مقتنعا بقدراتها، فهو لم يستطع أن يرقى بالناس روحيا وجسديا، فليترك الفرصة لغيره إذ أن التعنت يكون مع النجاح أما مع الفشل فلا مبرر له.
* وإن كان من يرفضها خوفا من قدراتها أن تنشل الإنسان من الصراع الذي يعيشه إذ أن مصلحته تتحقق مع هذا الصراع صراع الدين والدنيا.
فالأولى له أن يكف عن هذا التهميش المتعمد للفلسفة؛ لأن الله خلق هذه الدنيا للدين لا للشيطان.
فحتما سيأتي اليوم الذي ينتصر فيه الدين بالدنيا.
حتما سيأتي اليوم الذي تكون فيه الدنيا مطية الآخرة، فحينئذ ستكون الفلسفة في أوج عظمتها سواء هي من ساهمت وشاركت في هذا الربط ربط الدين بالدنيا أو سواء من المحتفين الفرحين به.
فهذا ميدان عملها وهذا ما يحرك أدواتها.

The post إن أريد الا الاصلاح.. محجوب مدني محجوب | ما علاقة الفلسفة بالإسلام؟ appeared first on الانتباهة أون لاين written by Jabra .



المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى