أخبار السودان

إغلاق الجسور.. (ترس) حكومي


تحقيق: هويدا حمزة

مواطنون: نلقاها من المتاريس ولا من الحاويات؟

الحكومة تلغي الحوار السياسي وتعتمد الحلول الأمنية

محللون سياسيون: إغلاق الكباري سنة متخلفة وتعبر عن عجز في العمل السياسي

خبير أمني واستراتيجي: على (….) مخاطبة جذور الأزمة بدلاً من الحلول قصيرة النظر

خبير اقتصادي: إغلاق الكباري وقطع (النت) يؤثر في حركة الإنتاج والاستثمار

آراء: ظروف البلاد الأمنية تتطلب هذه الإجراءات

التروس التي كان ينصبها الثوار في شوارع الخرطوم الحيوية جعلت بعض الناس يكفرون بالمدنية التي تنادي بها المتاريس بعد أن ناءت كواهلهم بالمعاناة، فلا سيارة الإسعاف تستطيع الوصول إلى المستشفى وقد تكون بداخلها حالة حرجة، ولا الآخرون يستطيعون ان يزاولوا اعمالهم ويحوزوا رزق أبنائهم. ولكن رغم المعاناة التي عاناها المواطن المسكين بسبب المتاريس، الا إنها بدت اقل سوءاً من الحاويات التي (ترست) بها القوات النظامية كباري الخرطوم كلها عدا ثلاثة كباري نائية، وذلك لأن المتاريس بمعاناة يمكن تجاوزها من خلال الازقة داخل الأحياء، ولكن هيهات لـ (قرد) ان (ينط) تلك الحاويات التي تنصب متى ما تم الإعلان عن مليونية ولو كانت يومية دون الاهتمام بتعطل مصالح العباد، بل توقف الحياة تماماً في البلاد، خاصة إذا أضفنا عليها قطع خدمة الانترنت، بل حتى المكالمات حرمنا منها، لتصبح الهواتف عبارة عن (طوبة)، الأمر الذي القى بظلاله السالبة على مشاعر الناس تجاه الجيش تحديداً، فنقم عليه المؤيدون قبل المحايدين، بغض النظر عمن يهتفون (لا تفاوض لا شراكة لا شرعية).

رحلة عودة

يوم الأحد بداية شهر يناير خرجت من منزل اهلي بجبل اولياء في السادسة صباحاً، وبدأت رحلة العودة لمنزلي بالفيحاء بشرق النيل، ولأن كبري المنشية تم إغلاقه فقد كان كبري سوبا هو الخيار المتاح رغم بعده، وقد قضينا سحابة يومنا ونحن نزحف بسبب الزحام حتى استطعت الوصول عند صلاة الظهر، وقد كان فطورنا في ذلك اليوم هو (التفاح) الذي باعه لنا صاحب دفار فواكه، ولعل هذا هو الجانب المشرق من رحلة المعاناة، إذ ربما فطرنا بفول لو مكثنا في منازلنا.

اذن هل إغلاق الكباري هو الحل الأمني الامثل؟ الا تبدو هنالك حلول اقل دكتاتورية؟ وهل إغلاق الكباري لحماية المواطنين ام لحماية من فعلوا؟

حل (بليد)

المواطن مصطفى الفكي يصف اغلاق الكباري بأنه حل (بليد) جداً وليس حلاً أمنياً، فهو يشل الحياة بصورة عامة، ويضيف قائلاً: (الناس ديل بقفلوا معظم الكباري البتدخل للخرطوم، والناس كلها مصالحها في الخرطوم، وبخلوا كبري واحد رابط بين بحري وأم درمان وكبري رابط بين الخرطوم وبحري (كبري سوبا والحلفايا)، فإذا الكباري دي ما عندها تأثير بنوها ليه؟ ما كان يخلوا الناس يمشوا بالمراكب.. دي خنقة عديل كده وخلت حتى المحايدين ينقموا على الجيش، لأنه مصالح الناس في مدن الخرطوم المختلفة تعطلت ووقفت حال البلد، والمواكب نفسها معطلة حال البلد، وهي في النهاية ما حل أمني.. حل أمني لشنو يعني؟ ده حل أمني عشان ما يصلوهم في القصر بس لكن بحري وأم درمان بحرقوا.. المواكب شغالة فيها ويمشوا يكتلوهم هناك.. والحل الأمني هو توفير استقرار في البلاد عشان ما تكون في حاجة لخروج مواكب عشان انت تعمل ليك حاويات وتقفل الكباري).

وتعبر فاطمة علي عن ضيقها من الحكومة والشعب سواء، فتقول: (يعني نحن نلقاها من المتاريس ولا من الحاويات؟ حركتنا اتشلت ومصالحنا اتعطلت، وأساساً الحياة ضاقت بينا لدرجة أصبحنا نتمنى الموت, والله المستعان).

كلو من (أيمن)

محللون سياسيون قالوا إن إغلاق الكباري من السنن السيئة التي سنها والي الخرطوم المقال أيمن نمر عندما قرر الإسلاميون الخروج للشارع، وظهر مصطلح (الزواحف) حتى أن الاعلاميون وغيرهم أصبحوا يتندرون بأن البشير طوال عهده لم يغلق كبري، ومن ثم استغربوا ان تقوم الثورة بذلك الفعل، وبالتالي وجد العسكريون في (فعلة) ايمن نمر سنة فقاموا باتباعها على أسوأ ما يكون، وقال المراقبون لـ (الانتباهة) ان إغلاق الشوارع والكباري مسألة متخلفة جداً وغير حضارية وغير سياسية ومعطلة للحياة التي هي في الأساس متعطلة ومتمثلة في نقل البضائع وحركة الناس، وهي تعبر عن عدم مسؤولية الدولة، كما انها شكل من أشكال ضيق الافق والعجز عن العمل السياسي الذي لم يحل الازمة، وهذا يعبر عن عجز الدولة في إدارة الحياة العامة.

قصر نظر

اما الخبير الأمني والاستراتيجي حسن دنقس فيقول: (ان إغلاق الكباري بواسطة الحاويات ليس الحل الامثل من قبل اللجنة الأمنية او مجلس السيادة، وعلى مجلس الأمن والدفاع ومجلس السيادة مخاطبة جذور الازمة والأسباب التي تؤدي لقيام المليونيات وإغلاق الكباري، لأن هذا يؤدي لاستمراء لجان المقاومة لمزيد من المليونيات، فاذا تم اعلان مليونيات يومية هل سيتم إغلاق الكباري يومياً وإيقاف الحياة في الخرطوم تماما؟ اذن هذا ليس حلاً بل ينم عن قصر نظر في هذه الأزمة والتعامل معها، وهذا يؤدي لاستفحالها وسيشكل مزيداً من الآراء السالبة حول مجلس السيادة والحكومة وهي غير موجودة الآن). ويقترح دنقس على مجلس السيادة ان يدعو لطاولة حوار شامل لا يستثني أحداً، وهذا ايضاً يحتم على لجان المقاومة ان تعمل جاهدة لإنشاء كيان يعبر عنها بصورة واحدة كجسم واحد وليس بعيداً عن سياسة مركزية لجان المقاومة، لأن لجان المقاومة ليس لديها رأي موحد، فبحري تخرج برأي وام درمان برأي آخر وكذلك الخرطوم، وهذا يشتت الجهود ويزيد السيولة الأمنية في ظل غياب القانون وتنفيذه والشرخ الواضح بين القانون والمواطن، وهذا يجعل الدولة هشة ويؤدي لمزيد من الانحلال. وعلى القوى السياسية ــ حسب دنقس ــ ان تحكم صوت العقل وعدم التصعيد وشعاراتها (لا شراكة لا مساومة لا شرعية)، فهذا يؤدي لمزيد من تعقيد المشهد السياسي وهو في الأساس معقد ومأزوم بكثير من التقاطعات.

رؤى توافقية

ويقترح دنقس طرفاً ثالثاً من خلال تفعيل آلية المبادرات بعيداً عن مجلس السيادة، لأن القبول به حالياً سيكون ضعيفاً وبعيداً كذلك عن المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، ولا من تجمع المهنيين، ويمكن ان يكون من الأكاديميين كطرف محايد ليقدم رؤى تؤدي لتوافق الحلول الى حين قيام انتخابات حرة ونزيهة ليعبر الشارع عن حكومة منتخبة تحت قيادة وطنية، لأن تدخل العسكر لا يخصم من العسكر وحدهم بل يخصم من القوى السياسية باعطائها الفرصة لهم لتصحيح مسارها كما حدث في (11) أبريل، والحديث عن انقلاب يقوم به الجيش لاعادة البلاد لوضعها الطبيعي، ومن ثم على الأحزاب السياسية ان تقدم المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة.

تعطل حركة الإنتاج

وهذا الاغلاق يعبر عن نوع من عدم الاستقرار السياسي والامني، ولا يوجد استقرار سياسي دون الاستقرار الأمني، لذلك اي استقرار أمني يؤثر في حركة الاقتصاد خاصة في  الاستثمار والإنتاج. والآن السودان الصورة الذهنية له كبلد غير جاذبة للاستثمار ان لم يكن كثير من المستثمرين المحليين والأجانب يفكرون في مغادرته للبحث عن وجهة أخرى لاستثماراتهم، والموجودون الذين كانت لديهم خطط جديدة للتوسع الآن أوقفوا هذه الخطط، بل قلصوا استثماراتهم في السودان، وكل ذلك لعدم وجود الاستقرار السياسي والامني حسب الخبير الاقتصادي دكتور هيثم فتحي في حديثه لـ (الإنتباهة). ويضيف هيثم قائلاً: (إغلاق الكباري يؤثر لأن الخرطوم عاصمة مثلثة مربوطة ببعضها البعض، وتشتهر ام درمان بأنها مدينة تاريخية وتجارية، وتشتهر مدينة الخرطوم بحري بأنها منبع الصناعات، اما الخرطوم كعاصمة فيمكن اعتبارها سوقاً كبيراً لهذه المنتجات، ومن ثم فإن إغلاق الكباري يؤثر تماماً في حركة الانتاج والبيع والاستثمار، أضف لذلك انه يؤثر في أداء العاملين او أداء العمال وموظفي الدولة، ويؤثر في دولاب الدولة لأن حركة الانتاج توقفت لأنها تحتاج للأيدي العاملة، اضف لذلك قطع الإنترنت الذي أصبح كالهواء والماء والكهرباء، وأي عملية الآن تتم عبر النت. ولك أن تتصوري ان السودان دولة مربوطة بالخارج ولا يوجد نت. والناس عندهم تحويلات بنكية ومالية وهنالك بيع وتجارة إلكترونية، وكذلك يوجد بيع إلكتروني داخل السودان، وكل ذلك يتأثر بقطع النت وإغلاق الكباري والطرق اياً كان الطرف الموجود، ففي السودان توجد ثلاث قوى مختلفة، قوة الشارع والقوة السياسية والقوات الأمنية او المكون العسكري. وهذه القوى لا بد أن تتفق مع بعضها البعض لتأسيس سودان متفق عليه عبر الحوار بين هذه القوى لنخرج بسودان مستقر سياسياً وأمنياً، وهذا بدوره يؤدي الى الاستقرار الاقتصادي وزيادة الانتاج وتحسين صورة السودان الاستثمارية للعمل على جذب الاستثمارات، والأهم من ذلك أن تتوفر للمواطن الخدمات الأساسية والضرورية.

عاصمة جديدة

مهندس عثمان حيدر عبد الهادي استشاري تخطيط النقل وهندسة المرور عضو اتحاد المهندسين العرب وعضو جمعية الطرق العربية بالاتحاد الدولي للطرق، يرى أن إغلاق الكباري يعني تعطيل حركة الحياة بالكامل، لان الكباري تم تأسيسها لتربط مدن العاصمة، وهنالك حالات تحتاج لاسعاف، مثلاً هم يرون ان (سوبا) و (الحلفايا) بدائل رغم أنها بعيدة وبها تكدس، لأن المشكلة في الأساس تخطيطية فأنشأوا الكباري قريبة من بعضها والاخرى طرفية وبعيدة، فإذا كان في امتداد الشرقي مثلاً يوجد كبري او عند البراحة فالمشكلة فنية اذن، وهذا يوضح اهمية الانتقال لعاصمة جديدة مثلما فعل السيسي عندما نقل العاصمة الى العاصمة الادارية الجديدة (القاهرة الجديدة) بعد الرحاب ومدينتي، وإغلاق الكباري ليس هدفاً ولكنه مسكن، وهذا يدل على أن العقلية ككل بها اشكالية حسب عثمان الذي قال لـ (الانتباهة): (ربما كبري شمبات به بعض الوسطية، لكن من كبري المنشية وحتى سوبا لا يوجد كبري في المنتصف، ومن يخطط طرقاً او كباري كان لا بد أن يراعي الجوانب الأمنية وليس توزيعاً وخدمات فقط).

وضع استثنائي

ورغم الضيق الذي أصاب الناس جراء إغلاق الكباري مضافاً اليه قطع الإنترنت والمكالمات احياناً، الا ان هناك من لا يرى بأساً في ذلك، إذ أن أن البلاد تمر بظرف استثنائي وامني معقد يتطلب هذه الإجراءات لحماية مقدرات الدولة من التخريب، بل وحماية المتظاهرين أنفسهم الذين تدفع بهم أحزاب بائسة الى الموت لتنعم هي بالثروة والسلطة.

 

 

 

 





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى