أخبار السودان

إعفاء مدنيي السيادي.. ما الذي عجل بالخطوة؟


 

تقرير: محمد جمال قندول

أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مرسوماً دستورياً قضى بإعفاء (5) أعضاء من مجلس السيادة المدنيين، على رأسهم رجاء نيكولا عيسى عبد المسيح ويوسف جاد كريم محمد علي ود. سلمى عبد الجبار المبارك ود. عبد الباقي عبد القادر الزبير وأبو القاسم محمد أحمد برطم، وجاء نبأ الاعفاء في اعقاب الخطاب الذي القاه البرهان مساء الاثنين الماضي الذي اعلن خلاله انسحاب القوات المسلحة من الحوار الجاري بين الفرقاء السياسيين، غير ان توقيتات صدور القرار اثارت جدلاً واسعاً، سيما أن خطاب البرهان الاثنين الماضي اشار إلى حل المجلس عقب تشكيل الحكومة، فما الذي عجل بالاعفاء؟

تغيير المسار

عشية مغادرته الخرطوم متوجهاً إلى نيروبي وذلك لترؤسه قمة الايقاد الطارئة، لم يخطر ببال احد ان يخرج البرهان بقرارات جديدة، وذلك من واقع حالة التمترس في المواقف التي تتسيد المشهد، قبل أن يعلن اعلام المجلس السيادي عن خطاب مرتقب له، ليخرج البرهان في اقصر خطاب له منذ ابريل 2019، اوجز فيه مغادرة الجيش العملية السياسية وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة والدعم السريع والقوات النظامية وحل مجلس السيادة، وذلك عقب تشكيل الحكومة.

المراقبون حينها اكدوا ان توقيت ظهور الرجل استباق للقمة الافريقية وتكوين ردود جاهزة بالقمة على وضع السودان، وكذا التأكيد على ان القوات المسلحة ليست طرفاً في اي مشهد سياسي، وانه ينبغي على القوى ان تتوافق.

انتهى خطاب البرهان وغادر إلى كينيا لينقسم المشهد بعدها، فيما ظل آخرون يلهثون خلف التسريبات عن صدور قرار باعفاء المدنيين، الامر الذي لم يكن مثار استغراب ولكن التوقيت جاء وكأنه رسالة لعدة اتجاهات، وهو ما جعل المتداخلين في الاسافير يطلقون اكثر من مسمى وصفي على القرار، ولعل ابرزها (زالزال البرهان)، ورغم تأكيد الخبر وتداوله في اجهزة الاعلام الا ان المرسوم الجمهوري خرج في الحادية عشرة من صباح امس بصورة رسمية.

قرارات جديدة

وحيال غرابة التوقيت التي تنافس تصريحات البرهان، لا يرى الخبير السياسي والاستراتيجي د. خليفة البرير لـ (الانتباهة) غرابة او مدعاة للاندهاش من خطوة مغادرة المدنيين، معتبرها مكملاً لما ذكره البرهان في قراراته الاخيرة، رغم ان التوقيت جاء مع توقع المزيد من القرارات خلال الفترة القليلة القادمة التي من ضمنها اعفاء جميع حكام الولايات عدا الموقعين علي اتفاق سلام جوبا، الامر الذي يعد بمثابة رسالة واضحة بأن المكون العسكري اكمل انسحابه بصورة كاملة من الحكومة، وترك الكرة في ملعب الاحزاب السياسية جميعاً حتى تصل لوفاق، وحال عدم وصولهم لوفاق يبقى خيار الانتخابات المبكرة وارداً بنسبة كبيرة.

خليفة اشار كذلك إلى ان الاعضاء لن يتأثروا بخسارة مقاعدهم مستدلاً بتصريح برطم الذي اكد فيه دعمه للخط، وان حملات التنمر الاسفيرية التي تعرض لها الخمسة حينما كانوا بمجلس السيادة وحتى تاريخ اعفائهم لن يتأثرو بها، خاصة انهم لا يمثلون كتلاً سياسية او احزاباً واغلبهم تم تعيينهم بصورة مهنية. ولعل اكبر دليل على ذلك عدم انجرارهم للرد على الاستفزازات التي تعرضوا لها، عدا برطم الذي كان شديد الخصومة، وقد يستشهد ذلك من خلال تصريحاته اتجاه قوى الحرية والتغيير، غير ان خليفة وصف اداءهم بالضعيف خلال فترة تقلدهم هذه المناصب، وتابع قائلاً: (كان اداؤهم متواضعاً مقارنة بالمقاعد التي يجلسون عليها، وكان بالامكان ان يقدموا اداءً افضل)، ولكن محدثي يري ان اداءهم بهذا الشكل كان متوقعاً، وذلك نتاج المشهد السياسي المحتقن والتوقيت الزمني الذي جاءوا فيه، وبالتالي كان ذلك يشكل ضغوطاً كبيرة عليهم.

مشهد جديد

القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي خالد الفحل قال لـ (الانتباهة): (ان القرار الذي صدر من البرهان باعفاء الاعضاء المدنيين يؤكد مدى جدية الرجل في تهيئة المناخ بصورة جدية، وذلك من خلال القرارات التي صدرت تباعاً، ابتداءً بقرار انسحاب المكون العسكري من الحوار وتأكيده ان العسكر سيخرجون من العملية السياسية مما يمكن القوى المدنية بعد تجاوز ازمة الشراكة وقطع الطريق على المكونات التي كانت تريد العودة للمشهد بثنائية سياسية بينهم وبين والعسكر)، واضاف محدثي ان هنالك مشهداً جديداً يتشكل، وتتبع ذلك قرارات واسعة مثل اعفاء المدنيين الذين تم تعيينهم بعد قرارات الخامس والعشرين، وهذا ما كانت تطالب به قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، وظلت تطالب مراراً وتكراراً بالغاء ما ترتب على قرارات البرهان في اكتوبر الماضي.

ووصف الفحل اداء الاعضاء المدنيين بانه لم يكن بالقدر الملفت للنظر وذلك على حد تعبيره، مشيراً الى ان بعضاً منهم دخلوا القصر وخرجوا ولم تعرف لهم انجازات او ظهور او حضور سياسي ووجود حقيقي في هذه المرحلة التي تتطلب قيادات ميدانية تتلمس كل القضايا التي يواجهها المجتمع السوداني، وتكون موجودة في كل الازمات الحياتية.

واعتبر خالد ان السودان في مرحلة يحتاج فيها الى مسألة التقسيم العادل للسلطة والثروة، ولكن هذا الامر يحتاج الى اجماع حقيقي، وذلك في اشارة الى كيفية اختيار اعضاء السيادي عقب قرارات رئيس مجلس السيادة في اكتوبر الماضي، وأضاف الفحل قائلاً: (اعضاء السيادي المعفيين لم يأتوا عبر اجماع كامل من اقاليمهم).

ويستشرف القيادي الاتحادي خالد الفحل مستقبل العملية السياسية عقب القرارات الاخيرة، بقوله: (ان هنالك فرصة حقيقية يجب على السودانيين والقوى السياسية والاجتماعية والشبابية ان يحدثوا خلالها وفاقاً شاملاً وكاملاً، وذلك للنهوض بالبلاد، خاصة ان الازمة السياسية الاخيرة اقعدت الدولة واستنزفت مواردها وقادت الى انهيار اقتصادي كبير)، واشار محدثي الى ضرورة تقديم كل ما يوطد الثقة ويؤكد المصداقية نحو استكمال التحول الديمقراطي وقيام الدولة المدنية.

ويرى انه من الصعوبة بمكان تقييم اداء اعضاء السيادي المعفيين، وذلك لأن فترة تعيينهم كانت قصيرة ولم تكمل العام، عوضاً عن ان المشهد السياسي المحتقن كذلك اثر في اداء الغالبية منهم في ظل حالة التشظي والتنمر الذي تعرض له المدنيون بالسيادي، وبالتالي تسمية او تصنيف ان فلاناً كان الافضل وذلك الاسوأ غير منطقي بالمرة.

مرحلة جديدة

ويرى مراقبون أن خطوة اعفاء المدنيين تعزز قرارات عبد الفتاح البرهان التي اعلن عنها في الرابع من يوليو، وذلك بافساح المجال امام القوى المدنية حتى تتحد وتتوافق على تشكيل حكومة باسرع ما يمكن، وحتى المدنيين الذين تم اعفاؤهم اعتبروها خطوة مهمة في اخراج البلاد من الازمة، وبدا ذلك واضحاً من خلال تصريحات برطم الذي رحب بهذه الخطوة واعتبرها تسير في الاتجاه الصحيح، وترمي بمقاصد التوجه الجديد للبلاد واستشراف مرحلة سياسية جديدة عنوانها الوفاق والحوار الوطني من كل الاطياف السياسية، بينما يرى آخرون ان المرحلة المقبلة تحتاج الى توجهات جديدة، وان المكون العسكري بات اشبه بالمجلس العسكري، خاصة ان المدنيين تم اعفاؤهم، عوضاً عن ان ممثلي الحركات بمجلس السيادة لم يتم اعفاؤهم باعتبار انهم جاءوا باتفاقية مشهودة دولياً (سلام جوبا)، وقالوا ان خطوة حل مجلس السيادة كانت متوقعة وقرار البرهان جاء سريعاً، حيث يرى العوام والنخب ان قرارات مغادرة اعضاء السيادي ستكون عقب تشكيل الحكومة.

حرب الأسافير والتصريحات

ولم تخل المنصات الالكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي من التداول الواسع لاعفاء المدنيين، حيث بدا واضحاً ان ثمة فجوة بين بعض اعضاء السيادي المدنيين وفئة كبيرة من الشباب، وذلك من خلال تصريحات أصدرها عضو مجلس السيادة ابو القاسم برطم الذي كان دائم التقليل من التظاهرات والاحتجاجات، وهو ما جعل نبأ مغادرته الاكثر تداولاً في الاسافير.

ومنذ تعيين الاعضاء الخمسة عقب قرارات الخامس والعشرين من اكتوبر الماضي التي عرفت حينها بقرارات تصحيح المسار من قبل القائد العام للقوات المسلحة الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان، تعرض مدنيو السيادي لحرب اسفيرية كبيرة مغلفة بالتوتر والتنمر، فيما بدت واضحة ايضاً مساحة عدم القبول والرضاء بتعيين الاعضاء المدنيين في ذلك التوقيت، خاصة من قبل قوى الحرية والتغيير. وبالمقابل فإن المدنيين كانوا دائماً على خط المواجهة، خاصة برطم الذي كان شديد الخصومة مع مجموعة المركزي، وقال في تصريحات سابقة له: (أنا منذ التغيير في (11) أبريل كانت لديَّ مواقف واضحة، وقلت إن قحت ليست لديها شرعية). وبخلاف برطم نجد ان الآخرين وهم د. رجاء ود. سلمى ود. عبد الباقي ويوسف جاد كريم كانوا بعيدين عن الهتر السياسي، وانغمسوا في الملفات الموكلة اليهم، ولم تكن تصدر منهم تصريحات عدائية او سياسية.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى