المقالات

أقاصي الدنيا.. محمد محمد خير: إن لي بلد


(1)

شهقة الطين

يتهيأ لي حسب معرفتي لنفسي وانا بلبن الطفولة ان كل طينة في ارض السودان يقابلها مسام في جلدي وان كل ذرة رمل في ارضه تناديني لأثقبها واوسع ثقبها كي تسكنني واسأل نفسي احياناً كيف بمقدوري ان ابني بيتاً في الفضاء الفسيح لبلدي !!!

غبت عن هذا العشق لعامين وكان المأمول الا يمتد لاكثر من ثلاثة اشهر اراجع خلالها نوايا السرطان بي ثم اعود ابحث في الفضاء لذلك المبنى الذي انوي تشييده لوطني غير ان للسرطان حكم اخر فقد انتقل الى عظامي واصبح مهدداً لوحدة جسدي والجسد وطن في بعض الاحيان لانه مليء بنفس طين البلد وبذات شهقة الطين .السرطان الذي يستهدف اشعال الجسد بهدف تفكيكه مثل المبعوثين الامميين الذين طغوا في العراق فاكثروا فيها الحروب ومثلما تبهنسوا في ليبيا ومثلما جعلوا بقلاوة سوريا تغترب في كل البلاد وهكذا في العامين الماضيين كنت مهدداً بتمدد السرطان ونوايا فولكر!!!!!

قضيت عامين من جحيم سرطان ينتقل للعظام وثلج تورنتو على نافدتي وابنائي في مدن مختلفة في الشمال الامريكي وعينا فولكر تزداد لمعاناً ولا شيء يأتي من السودان غير الفحيح و(البل) ونقص الثمرات والجوع وانا اصيح متى اعود الى البلاد .. وليت السفائن لا تقاضي راكبيها عن سفار!!!!

في منتصف هذا العذاب المتقن توصل الطبيب الكندي ذو الاصول الهندية لدواء باستطاعته وقف التمدد نهائياً وابعادي عن حافة الخطر وهو عبارة عن حقنة شهرية ثمن الواحدة منها 6 الف دولار شهرياً يتم تجريبها لـ6 اشهر ثم يجرى فحص اخر لتقييم فاعليتها فاذا تأكد ذلك ترافقني لاخر العمر واذا لم يتأكد علي كتابة وصيتي ومغادرة الحياة مكتفياً بما قضيته من حلم ولم يكن في بالي وصية اكتبها سوى ان يتقدم عاشق اخر لاكمال بناء منزل في الفضاء الفسيح لبلادي !!!!!

نجحت تجربة الحقنة وتفاعل جسدي معها تفاعل (عجلة ضارع) استبدت بها نيران الشهوة حتى (كسرت الزريبة) فابتعدت كثيراً عن الخطر ولم يتبق لي سوى فولكر!!!!

سألت البروفسير الكندي حول امكانية منحي هذه الحقن ذات الكتلوج لامضي بها للقاهرة لان البرد خلخلني ( وفيني ما خلا المروة) فوافق على الفور وصدق لي بخمس حقن ب 30 الف دولار وهكذا وجدت نفسي في القاهرة وكان ذلك وجعي الثاني . شباب في سن الاقتراع يعملون صبية في مراكز البيع والحلاقين واماكن بيع الخضروات ويصيح فيهم المعلم ( اعملك همة يلا) ولاحظت ان خدم المنازل صرن سودانيات والاعداد تتزايد طائرات وبصات وطريق حلفا وارقين وشلاتين والجمال.. يتم كل هذا وفولكر لم ينشب اظافره بعد!!!”!”

لم يكن السودان ضمن برنامج عودتي وما خططت لذلك لانني لن اتحمل كل النزف واكتفيت بما اراه ماثلاً في القاهرة والفيس بوك وشجار القروبات ولهوجة الحكومة واماني معارضتها وانقسام الشارع وتجارة الكراهية الاكثر ايناعاً هذه الايام غير ان زوجتي ألحت علي بان نعود بعد ان اكد لي صديقي الدكتور نزار خالد ان بمقدوري اخذ هذه الحقن في مستشفى الفيصل وهكذا تأكد لي انني شاعر استكشافي فقد طلبت مني زوجتي قبل ثلاثين عاماً ان اكتب فيها شعراً فكتبت:

الحياة من غير سعاد

زي تكون ماشي الصحافة

وتلقى نفسك في المزاد

هكذا انعكس المسار ووجدت نفسي في السودان جرياً على اكثر انواع الشعر هبوطاً .!!!!!

في مقامك ايها السمو الازلي حتى الهابط يستشرف.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى