المقالات

أقاصي الدنيا.. حالة عمى لدقيقة


فتحتُ عينيَّ يوم السبت، لكنَّني لم أرَ شيئاً، كل الذي رأيته كان سماديرَ وسراباً، حالة عمى تام تغشَّتني لمدة دقيقة كاملة، ثم انسربَ الضوءُ فتبدَّت لي الأشياء فعدتُ مبصراً.

ارمِ نظَّارتَيْك

ما أنت أعمى

نحن جوقة العميان.

هكذا خاطب نزار قباني طه حسين في رثائيته التي كتبها نزار. طه حسين الأعمى الذي خلق من عماه قدرةً غير عادية على النقد والتقويم وإعادة النظر في الحقائق والمُسلَّمات، لم يكن يحتاج إلى عصا لكي تساعده على اجتياز الممر الفاصل بين عادية الواقع وثراء المتخيل، بل احتاج فقط لمن يمسك القلم ويُدوِّن له ما يجيشُ في ظلماته من شموس الاستعارة ومجرَّاتها.

انتبهتُ إلى هوميروس الذي استطاع رغم عماه، أن يقدم للعالم ملحمتَي الإلياذة والأوديسا، بكل ما يكتنفها من لوحات فنية وأبعاد مشهدية ورسومات دقيقة للمعارك والأماكن والمصائر.

مرَّ بي سِرْبٌ من العميان كانوا يبصرون بأكثر من ما نرى، ويُحسُّون عن طريق العمى ما نُحسُّه نحن المبصرون، تذكرت عبد الله البردوني شاعر اليمن الكبير الذي وُلِدَ أعمى وظلَّ أعمى ورحل بصيراً مُبصراً، قرأتُ من ديوانه (ترجمة رملية لأعراس الغبار).

لي موطن لا ذرة فيه

على الأخرى تهون

الأرض نفس الأرض

لكن الجحيم الآخرون

السجن لصق السجن

ولصق المكرفون المكرفون

ما دام لي شوق، له

وجه فإن له بطون

هل هذا شعرُ أعمى؟ وعاد بي بعد عودة بصري بشارُ بن برد، الذي اتسم شعره بالانتباه والدقة ورسم التفاصيل، وليس أبلغ من قوله الشهير (الأُذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحياناً).

لن نعد أمثلة أخرى من أولئك الذن حوَّلوا العمى إلى إبداع وتنقيب وحفر باطني، ولم يجلعوه باعثاً للغموض والاستكانة واليأس، ففي حين عالج بشار عماه بالاندفاع نحو الحياة راح أبو العلاء المعري يبحث عن الحقيقة في ظلمات نفسه، ويُعوِّض عبر الداخل ما ينقصه من ملامح العالم الخارجي.

أما خورخي بورخيس الكاتب الأرجتيني الشهير فقد ذهب في عماه أبعد من الجميع بقوله: (إن الله قد منحني الكتابة والليل في آنٍ واحد).

هو الليل الآخر الذي يحتاج إليه الناس جميعاً لكي يسبروا من خلاله غور ذواتهم، ويبحثوا فيه عن حقيقة أكثر جوهرية من قشور الواقع، إنه الليل الذي لا بدَّ من حضوره واستدعائه لكي يستطيع المبدعون أن يخلصوا إلى العزلة الصافية بعيداً عن ضجيج المنابر.

إن كل ما هو جميل في هذا الكون يتطلُّب إغماض العين.

تحياتي في هذا الصباح للعازف عوض أحمودي الذي يرانا بالوتر ونسمعه بالنغم.





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى