أخبار السودان

آخرهم مكتب العربي في ظل الإحتجاجات الشبابية  ….  الصحافيون تحت براثن العنف


الخرطوم: أحمد طه صديق

الأنظمة القابضة هي الأكثر قمعاً  للصحفييين والمدنيين كتابهم أبيض
في عهد البشير إعتقال وضرب واستدعاءات مستمرة للصحفيين
بعد الخامس والعشرين من أكتوبر دخلت حربة العمل الصحفي على المحك
إقتحام قنوات فضائية وضرب لصحفيين وإعتذارت حكومية متكررة

أبان إنتفاضة ثورة إكتوبر 1964م تم منع الصحف من تغطية التظاهرات الشعبية العارمة ويشير الكاتب الراحل عبد الرحمن مختار مؤسس ورئيس تحرير صحيفة الصحافة في كتابه التوثيقي ( خريف الفرح) الذي صدر بعد ثورة إبريل 1985م إنهم صمموا على الصدور وتغطية الحدث الثوري فقاموا ليلاً بإغلاق أبواب المطبعة ثم طباعة الصحيفة تحوي كل تداعيات الحراك الشعبي مما عرضهم لإيقاف والمساءلة .
الحدث يعكس صورة مصغرة ومتكررة مما تعانيه حرية الصحافة والصحافيين من قمع وتنكيل عبر كل الأنظمة القابضة التي مرت على البلاد مروراً بالتطورات الأخيرة في البلاد بعد الخامس والعشرين من أكتوبر

الأنظمة المدنية كتاب أبيض

وعقب سقوط النظام العسكري برئاسة الفريق إبراهيم عبود 1964م وإنتهاء الفترة الإنتقالية تولى زعيم الحزب الوطني الإتحادي رئاسة مجلس السيادة حتى اطاح به إنقلاب النميري في عام 1969م وشهدت تلك الحقبة بنظام حزبي تعددي كفلت فيه كافة حريات التعبير وحقوق الفرد ولعبت الصحافة في تلك الفترة دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام والوعي السياسي بينما تحمل السياسيون سياط النقد الساخن ونال الزعيم الأزهري من معارضية من الصحفيين نصيب الأسد من ذللك الهجوم الذي نحى في بعض الأحيان إلى (رايدكالية) جامحة حيث رسم الكاركاتيرست الشهير عزالدين عثمان رسماً ساخراً للزعيم الأزهري واضعاً له رأس ماعز غير إن الأزهري لم يكن يغضب وقيل إنه كان يضحك ويتصل برسام الكاركتير حيث لم تكن في تلك الحقبة خطوط حمراء للصحافة تحد من حريتها ولم تكن هناك إعتقالات أو استدعاءات للصحفييين .

بينما كانت الفترة التي أعقبت سقوط النظام الديمقراطي بعد إنقلاب النميري 1969م غابت فيها حرية الصحافة ولم تكن هناك أية صحيفة سياسية خاصة فهناك ثلاث صحف حكومية إثنتان مملوكتان للتنظيم الحاكم الإتحاد الإشتراكي والأخرى تابعة للقوات المسحلة يصدرها فرع التوجيه المعنوي ، وفي تلك الحقبة إهتمت الصحف بمتابعة الأخبار الرسمية للدولة والخدمات المختلفة وقيل إن النميري أمر بفصل صحافيين بعد اتصاله برئيس التحرير.

حكومة البشير سجل قاتم
نقشت حكومة البشير سجلاً قاتماً في التاريخ الحديث للسودان في مجال الحريات العامة وحرية الصحافة والإنتهاكات ضد الصحافيين ، فعند تسلمها السلطة غيلة في العام 1989م بواسطة عناصرها من تنظيم الجبهة الإسلامية بزعامة عرّابها د. حسن الترابي أوقفت كل الصحف وسمحت فقط بصدور صحيفة (القوات المسلحة) قبل أن يصدر تنظيمها الإسلامي صحيفتين باسم الإنقاذ والسودان الحديث ثم سمحت لاحقاً باصدار صحيفة (السوداني) لصاحبها محجوب عروة ربما ثقة به بإعتبار أحد أعضاء التنظيم الإسلامي منذ عقود خلت لكنها فوجئت بأن الصحيفة  قد مارست قدراً كبيراً من الجرأة والإفصاح مما أغضب رئيس الجمهورية فأصدر قراراًجمهورياً بإيقافها وتم إعتقال الناشر ومصادرة مطبعته وعرضه في التلفويون الرسمي بعد إتهامه بالتجسس للملكة العربية السعودية لأنه أصدر خطاباً عادياً لمؤسسة نشر في السعودية لتوزيع صحيفته الوليدة ، وهو نهج غير مستغرب من أمن النظام الذي ظل دوماً يوزع تهم العمالة للصحفيين كما تم أيضاً بعد سنوات استدعاء الصحفي الراحل محمد أحمد كرار ناشر ورئيس تحريرصحيفة (الشارع السياسي) حيث تعرض للضرب في التحقيق وأوقفت صحيفته فترة من الزمن وفي عام 2004م تم إعتقال رئيس تحرير صحيفة ( الأزمنة) جمال عنقرة ورئيس تحرير الصحيفة ورئيس قسم الأخبار ومحرر آخر من القسم  وتم حبسهم في زنزانة منذ الظهر وحتى اليوم التالي على خلفية نشر خبر يشير إلى خروج ستمائة شركة من السوق بسبب سوء الأوضاع الإقتصادية.

وفي مساء الخامس من سبتمر من العام 2006م وقفت سيارة مظللة أمام منزل رئيس تحرير (الوفاق) الشهيد محمد طه محمد أحمد وقامت بإختطافه وفي اليوم التالي عثر عليه مقتولاً في منطقة جنوب الخرطوم ، الحدث كان صادماً ومروعاً وغير مألوف في عالم الصحافة والإعلام في السودان منذ فجر تاريخه ، إذ لم يحدث أن أصبح الدم مقابل الكلمة الحرة ،
وتعرض عدد كبير من الصحفيين آنذاك لإنتهاكات وإعتداءات من قبل عناصر مجهولة فقد تعرض أحد الصحفيين بضرب طوب بلك في رأسه بالقرب من منزله ، كما تعرض رئيس تحرير صحيفة ( التيار) عثمان ميرغني إلى إعتداء وحشي داخل مكتبه بالصحيفة من قبل ملثمون قيل أنهم مسلحون جاءوا عبر سيارة دفع رباعي كما نهبوا المعتدون أجهزة الحاسوب بالصحيفة وهواتف المحرريين ، بغرض عدم إتصال الصحفيين بالشرطة .

كما تم إغلاق مكاتب قنوات فضائية لتغطيتها تظاهرات 2013م حيث أغلقوا مكتب (الجزيرة) آنذاك وألغوا تراخيص الإذاعتين العالميتين (BBC) وإذاعة (مونت كارلو) الفرنسية  عبر الموجة FM كما تعرضت الصحافة في ذلك العهد الاستبادي القابض إلى وضع العديد من المحاذير والخطوط الحمراء مما عرض الكثير من الصحف للإيقاف الطويل بل الإيقاف إلى أجل غير مسمى حيث تم إيقاف صحيفة (الإنتباهة) أكثر من مرة وصحيفة (الصيحة) كذلك وتم إيقاف صحيفة (ألوان) حوالي عام أو أكثر ، كما ظل جهاز الأمن يمارس سلطة الاستداعات المتكررة للصحفيين ورفع قضايا ضدهم عبر نيابات أمن الدولة   وإنداحت تلك المحاذير التي تواجه الصحف بين الأحمر القاني والرمادي وبات التمييز صعباً لتبيان ملامحه من قبل الصحافة ، وباتت السلطات السياسية هي التي تحدد هذه الألوان ، ففي حين ترى الصحف إن قطارها يسير عبر الإشارة الخضراء ، لكنها قد تتفاجأ بأن هناك من يرفع لها بطاقة التجاوز ، ولأنه لا توجد كاميرا مثل طرق السيارات لفض الإشتباك بين السائقين وشرطة المرور سيستمر الجدل ، تكثر البطاقات الملونة والإتكاءات في الرصيف لحين السماح باستئناف السير من جديد .

وظلت أجهزت السلطة آنذاك تنتقد آداء الصحف وتتوعدهم حتى أن الرئيس البشير دخل ساحة النقد ويقال إنه هدد رئيس إتحاد الصحفييين بإنه إذا لم يسيطروا على جماح الصحف فإنه سيوقفها كلها ويكتفي بصحيفتين حكوميتين كما كان في عهد النميري ، بيد أن المثير إنه حتى البرلمان دخل حلبة الهجوم على الصحف بدلاً من حمايتها وسن التشريعات التي تحقق لها إستقلاليتها.

ولهذه من الطبيعي في تلك الأجواء المليئة بالمطبات والحفر أن يتعرض الصحفيين إلى الإمتهان والتنكيل ودخول المحاكم حتى أن الصحفية أمال عباس تم إدانتها وتغريمها مبلغ مالي أو السجن فإختارت السجن مما أربك النظام الذي كان يسعى لتجميل وجهه لدى المجتمع الدولي فقام جهاز الأمن بدفع الغرامة وتم نسبها إلى إتحاد الصحفيين لتخرج من سجن النساء بعد قضاء يوم واحد .

الإنتهاكات في عهد الثورة
طوال فترة الحكومة المدنية إبان حقبة ثورة ديسمبر لم يتعرض الصحفيين إلى إنتهاك في حرياتهم الصحفية أو أي قمع وإعتداء كما لم يتم مصادرة أية صحيفة أو إغلاقها إلا عبر لجان التمكين حيث لم تكن الدوافع تتعلق بالآداء المهني بل فيما يخص ملكية بعض الصحف وإرتباطها برموز النظام البائد .

بيد أنه عقب الخامس والعشرين من إكتوبر من العام الماضي وخروج مواكب الإحتجاجات الشعبية في أنحاء البلاد المختلفة قد حدثت العديد من الإنتهاكات تجاه الصحفيين ومكاتب القنوات الفضائية في ظل قانون الطورائ و إصدر رئيس مجلس السيادة حصانة للقوات النظامية أعاد فيها سلطات جهاز المخابرات التي كانت حصرت مهامه الوثيقة الدستورية بجمع المعلومات وتحليلها ورفعها للجهات المختصة ، مما أسهم كل ذلك في تعرض صحفيين لإعتداء أثناء عملهم ، وبحسب شبكة الصحفيين فإن الصحافية  شمائل النور قد تعرضت للضرب وقالت إن القوات (حاولت دهس الصحفيين عثمان فضل الله وبكري خليفة بناقلات الجنود التابعة للقوات العسكرية)، بالقرب من حديقة القرشي بالعاصمة الخرطوم.

وأدانت الشبكة إقتحام مكتب قناة التلفزيون العربي بالخرطوم، وإقتياد كل من إسلام صالح ووائل محمد الحسن والمصور مازن أونور إلى جهةٍ غير معلومة، وحمَّلت ما وصفتها بـ(سُلطة الأمر الواقع) مسؤولية سلامة الصحفيين المُعتقلين في أثناء تغطيتهم لموكب الخميس الماضي ،  من على سطح المبنى الذي يضم مكتب ( العربي) غير أن الأنباء أفادت أن طاقم المكتب قد تم الإفراج عنهم وفي حديث إلى (العربي) بعد الإفراج عنه، أشار مراسل (العربي) وائل محمد الحسن إلى (أننا حتى الآن لا نعلم ما الذنب الذي إقترفناه حتى نُعامَل هذه المعاملة الوحشية والاعتقال والضرب الذي تمّ”.

وأضاف: (تمّ إلقاء عدد كبير جدًا من عبوات الغاز المسيل للدموع علينا في سطح المبنى وعندما هممنا بالنزول، وجدنا قوة أمنية مشكّلة من قوات الجيش بحسب الزي الذي كانوا يرتدونه، وتمّ اقتيادنا من أمام باب المكتب إلى خارج المبنى وتمّ الضرب والسحل علينا والإهانة، إلى أن استقلّينا واحدة من سيارات الأجهزة الأمنية”.

وقال (تمّ اقتيادنا إلى أحد مراكز الاستخبارات التابعة للمنطقة المركزية للخرطوم، وحتى عندما نزلنا إلى هذا المركز، تمّ أيضاً الإعتداء علينا بالضرب وتمّ تحطيم الكاميرا وتمّ إجلاسنا على الأرض وتغطية رؤوسنا ومن ثمّ اقتيادنا إلى الداخل للتحقيق معنا”.

إعتذار رسمي من السلطات
وكشف مراسل (العربي) أنّ المعاملة معهم تغيّرت تماماً بعد عملية التحقيق، (حيث تمّ تقديم اعتذار رسمي لفريق العربي من قبل الأجهزة الأمنية عمّا حدث، واعتبروا أنّه يدخل ضمن قوانين الطوارئ المعمول بها الآن، وأنه حادث عرضي وخطأ يمكن أن يحدث”.

وأكد مراسلنا أنّ فريق (العربي) لطالما إعتمد التغطية المهنية والحيادية في عمله، من دون مجاملة أو مسايرة، ولا يقف مع طرف ضد آخر. وتحدث عن علامات استفهام حول الدوافع التي جعلت (العربي) يُستهدَف من قبل الأجهزة الأمنية.

وكان  شبكة (التلفزيون العربي) قد طالبت السلطات الأمنية السودانية عبر  بيان أصدرته، بالإفراج عن فريق مكتب الخرطوم بشكل فوري. وحمّلت السلطات السودانية المسؤولية كاملة عن سلامة الفريق العامل في الخرطوم.

وأكدت الشبكة أن تغطيتها للشأن السوداني تستند بشكل كامل إلى المعايير المهنية، وأن الفريق العامل يملك كل التراخيص القانونية اللازمة لأداء مهمته الصحافية من دون عوائق.

أخيراً يرى مراقبون إن استمرار حالة فرض الطوارئ واستمرار الحصانة للأجهزة الأمنية ستشكل تربة خصبة لمزيد من التجاوزات الفردية أو حتى الجماعية وإن أي إعتذار من السلطات الحكومية لن يضيف لها موقفاً إيجابياً على الصعيد المحلي أو الدولي  في حال إستمرار تلك الإنتهاكات سيما في ظل استمرارية الإحتجاجات الشعبية في انحاء البلاد المختلفة .





المصدر من هنا

زر الذهاب إلى الأعلى